الشاعرة سوزان عون : لولا الكتابة ما كان حاضرها كما هو الآن

الشاعرة سوزان عون : لولا الكتابة ما كان حاضرها كما هو الآن

الشاعرة سوزان عون : لولا الكتابة ما كان حاضرها كما هو الآن

   حاورها الصحافي الشاعر عباس مراد، سيدني أستراليا  

1- متى بدأت سوزان عون تكتب الشعر، وما هي العوامل التي دفعتك للكتابة وبمن  تأثرتِ؟

الكتابة سكنت دمي، شاركتني خطواتي الأولى على هذه الأرض، أو كلمسة طفل مسّدت وما زالت تمسّد أحلامي. 

لولا الكتابة ما كان حاضري كما هو الآن، لأنني لن أعرف أن أتعامل مع (سوزان) إلا التي هي موجودة بينكم. 

بدأتُ الكتابة في سن مبكرة، رافقت أيام دراستي الإعدادية والثانوية وليومنا هذا. 

لا أستطيع الجزم بأن هناك دوافع أو أسباب تجعلك تكتب، فالكتابة خلايا مشرقة تسير في الأوردة، تقودك إلى ما لا نهاية، هي الدافع الاساس كي تبدع. 

وكما أجبت في حوار سابق، لم أبدأ بالشعر، الشعر هو من طرق بابي وفكري وسكن في دواتي.

بدأتُ أكتبُ في سنٍ مبكرة، فامتلأت دفاتري بقصصٍ وقصائد، ومذكراتي بأحلام وأمنيات.

حسب خبرتي المتواضعة، أشبه الإبداع كبذرة داخل الروح، يُبرزها التعلم والتمرن والدراسة وتصقلها الإستمرارية والاستفادة من معاجم اللغة لرفد لغتنا المكتوبة بمفردات صحيحة خالية من الشوائب والعيوب. 

التأثر بالغير موضوع ثان بالنسبة لي، فحقيقة وأرجو أن لا يكون رأيي انتقاصا لقيمة أحد من الشعراء أو الكتّاب، عندما بدأت الكتابة أسرتني اللغة العربية بأسرها، وسلب سحرها وجمالها خيالي، فعشقي لها جعلني أتمسك بردائها وأتشبث بحبالها. 

قرأت للكثيرين ولهم كل الاحترام، ولكن القرآن الكريم هو الكتاب الذي تأثرت به وبلغته القوية الرصينة الحكيمة المتحكمة بقلوبنا وأفكارنا. 

2- للشاعر رسالة، ما هي رسالتكِ والافكار التي تؤمنين بها وتريدين إيصالها الى القارئ والمجتمع؟

لا أدري إن كان للشاعر رسالة أبلغ من كونه يُحافظ على لغة أمته وثقافتها عبر قصائده المتنوعة خلال حياته فالذي يكتب يومياً شيئًا مختلفا عمن سبقه، لا شك هو حامل للواء فريد لا يشبه أحدا، يُمتع الناس بأفكاره وومضاته الخلاقة، أو يُلقي الضوء على وجع الناس ويكون لسانهم الناطق ويكسر قيد أياديهم المكبلة. 

دور الشاعر كدور أيّ مواطن شريف يعيش في بلده أو بالاغتراب وهو دور كبير وحساس، فتراه يهتم بِقيمه ووطنه وشعبه وراحتهم وسعادتهم. 

المهم دوره يظل كالشمس التي تنير وتشرق لتكشف أي فساد، ويسلّط الضوء من خلال قصائده على المنابر أو مقالاته المكتوبة على الحقائق والمفاهيم والأصول إن غابت، وذلك لايكون الا بإلمامه بالحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وإلا لا يكون مثقفا، بل مردداً لكلمات يحفظها أو ساكتاً على ظلم السلطان وجوره. 

وهنا أيضا اردد بعض السطور كتبتها في مقالة عن المثقفين فأقول: 

 (( لولا كلمة المثقف المسموعة والمرئية والمقروءة والخوف منها واحترامها من عامة الناس، لما سمِعنا بظلم السياسيين ولا عرفنا ببطشهم والشعب المقهور المسلوب حقه في رفع صوته، ينتظر من يصرخ عنه أو من يطلق شرارة الانتفاضة ليسانده ويدعمه)).

وأزيد فأقول أيضا: 

كلمة المثقف لا زالت ولله الحمد مسموعة ومحل احترام حتى في أيامنا هذه، وهذا من طبيعة الشعب العربي الذي لا زال يستأنس بالشعر وبالشعراء وبالمثقفين ويراهم شعلا من المحبة تطفئ نار الخائنين وأيادي خير وغيث لمساندة فقراء المجتمع، فيساندهم بحبه لهم وإبداء الاحترام والتقدير.

مما جعل مكانة الشعراء عالية لدى شعوبهم، كمكانة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، والشاعر بدر شاكر السياب في العراق ومكانة الشاعر حافظ إبراهيم وأحمد شوقي في مصر، والشاعر جبران خليل جبران والمبدع أمين نخلة في لبنان، وهذه أمثلة وليس حصرا بالطبع.. 

3- هل تعتقدين أنه ما زال للشعر دور، وتأثير على حياة الإنسان العربي في ظل الوضع العربي الراهن؟

حتما، للشعر دور كبير في تسليط الأضواء على كل ما خُفي عن الجماهير، وسيظل هذا الدور حيّاً ما دام الشاعر يرسم صورا شعرية رائعة تسلب الألباب، تحمل المستمع أو القارئ إلى آفاق جديدة أرحب من أرضه وسمائه. 

يُرسل صوته عبر التاريخ والأزمنة ليقرأه من سيأتي بعده فتتعلم الأجيال القادمة ما عانته السابقة منهم. 

أو يقف وجهاً لوجه أمام محكمة الزمان ليرفض جور وظلم السلاطين. 

4- يقال أن الرواية تأخذ مكان الشعر كديوان العرب ما هو رأي سوزان عون بذلك؟

كرأي خاص ولا أْلزم به أحد، لا زال للشعر العربي القديم والحديث وهجه ووجوده بالمراتب الأولى من حيث الإبداع المكتوب، حيث الشعر هو خزان العمل لكل الفنانين والمطربين ومنشدي الأناشيد الدينية والوطنية، صحيح أننا في زمن الرواية وأكن الاحترام للفريقين، فريق الشعراء وفريق الكتّاب. 

 الفريقان يقومان بعمل جميل يُغني الأدب، وتسجيل الحوادث التاريخية الزمنية بأسلوبين مختلفين، فأين الخطأ في ذلك؟

ولكن الشعر عصب الحياة الذي لن ينضب أو يتوقف مهما كثر كتاب الروايات.. 

فهل رأيت مطرباً أو منشداً يغني رواية؟

4- يقال الشعر النسائي، هل من الممكن فعلا تقسيم الشعر والأدب على أساس الجنس، وما هو رأيكِ بذلك؟

الشعر الذي تكتبه النساء حسب رأيي المتواضع، ينقسم إلى قسمين، الشعر النسائي والشعر الذي تكتبه النساء.

فالشعر النسائي هو ما تنتقد فيه النساء ذكورية المجتمع في مكان ما، والتي تكون في بعض الحالات طاغية لدرجة الوجع وإهدار حق المرأة بشكل موجع ومؤلم، وهذا ما نراه في بعض بلداننا العربية أو ما كنا نراه، ولكن هناك شاعرات نراهن ينسقن فينسفن أحيانا بعض التقاليد والعادات الاجتماعية أو يصل الأمر بهنّ الى مرحلةٍ يقزّمن فيه حجم الرجل في المجتمع للفت النظر اليهن فحسب. 

أما الشعر الذي تكتبه النساء، فهو شعر يوازي ما يكتبه الرجال لا بل أحيانا يفوقه وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. 

وأنا ضد هذه التسمية إن كانت للتقليل من شعر السيدات، والحكم يجب أن يكون على بنية القصيدة وتفاعل الناس معها لا على أساس جنس من كتبها.. 

يكفي ما عانته المرأة من تمييز عبر العصور المختلفة في مختلف أنحاء العالم، يجب أن نتعامل بإنسانية مُطلقة مع من نعيش معهم، فلا نحكم أو ننتقص من قيمة إبداع ما، على أساس جنس من كتبه. 

5- يظهر البعد الديني في قصائدك حيث الاستعارة بادية للعيان، ما هو سر ذلك؟

كما أشرت في الجواب على السؤال الأول، عشقي للغة العربية ومن ثم دراستي لتجويد القرآن الكريم لها الفضل الكبير في استعاراتي اللغوية. 

6- ما هو الشيء الذين يؤثر عليكِ عندما تواجهين القصيدة، وعلى ماذا تركزين؟

في الحقيقة ولا أدري إن كان سيؤيدني البعض، القصيدة عندي، هي حالة شعرية خاصة تتلبسني، تُمسك بيدي وتزحفُ بي فوق أوراقي، فوق بيادر اللغة العربية وحروفها، أنهل منها نبضاً وعشقاً ولوناً يميز كتاباتي عن غيري. 

لذا أقول وبكل تواضع أن ما أكتبه لا يندرج حتى اسم معين من الشعر أو يُشبه أحدا ما. 

أُركّز على إبراز فكرتي بشكل جديد ووجهة النظر هنا إما أن تكون خاصة بي، وإما عامة أقرأ بها ما يفكر به البعض. 

7- أنتٍ تعيشين في أستراليا، ماذا يمكن أن تقولي لنا عن أستراليا؟

أستراليا وما أدراكم ما أستراليا، 

أستراليا الحلم،

الوطن الجديد، 

الحب والعشق،

قد يلمني البعض على رأيي هذا، ولكن أستراليا أولا وأخيرا، صُنع الله على الأرض. 

أرضٌ عرفَ من حكمها كيف يحترم شعوبها ويقدس إنسانيتهم وقدّر إبداعاتهم وآرائهم. 

فكيف لا أحبُّ مكاناً أحبني واحتضنتي مع أهلي وأولادي وأحاطني بالرعاية ولا يزال؟

8- ما هو رأيكِ بالجالية العربية في أستراليا وكيف تقيمين نشاطها الثقافي ومدى تأثيرها وتأثرها بالمجتمع الأسترالي الأوسع والمتعدد الثقافات؟

سأختصر الإجابة قدر الإمكان، لأنني لا أريد أن أخسر نفسي، أمسكتُ القلم عن الكتابة لئلا تتوه كلماتي.. 

ما زال البعض ممن هاجر إلى أستراليا يتمسك بما كان يؤمن به في وطنه (لا أقصد لبنان فحسب) الذي هاجر منه هرباً من الحروب والنزاعات، وعدم قدرته على الحياة هناك في جو مشحون بالكراهية والطائفية، وإذ به يحمل معه كل ما هرب منه لأستراليا.. 

والبعض الآخر الذي أكن له كل الاحترام، حاول أن يجمع حوله ما فرّقه الوطن الأم بأسلوب فريد وتناسى ما ضامه في بلده، ليؤسس حلماً جميلا يانعا، نتفيأ ظلاله بدون خلافات. 

لن أفصّل الكلام أكثر من ذلك ، فاللبيب من الإشارة يفهم.

9- هل ترجمت سوزان عون أشعارها الى الأنكليزية ليطلع عليها أبناء المجتمع الأسترالي؟

أحلم صراحة بهذه الخطوة، ولكن لديّ شعر مترجم. 

لم أترجمه بنفسي، بل قام بعض الشعراء مشكورين بهذه المهمة، وأقصد الدكتور بهاء علاق من أمريكا، إذ قام مشكورا بترجمة قصيدتي ( ليلى حتى الرمق الأخير للإنكليزية، ومن ثم الدكتورة مي العيسى من بريطانيا، التي تترجم لي عبر مترجمين مساهمين كل شهر تقريبا نصا وتنشره في مجلة همس الحوار

 ( Whispering Dialogue ) .

المسجلة رسمياً في لندن. 

وهذه إحدى قصائدي المترجمة.. 

Reviving the relics of the saints. 

By: Souzan Aoun

Wipe my exhausted forehead

Give me back the stolen evening chants.

My memory, which you infused with blame,

I lent it to the sun.

The moon is a destiny 

And the sun comes to pass.

The sky trembles

Under the sun’s ragged dress.

I will dot it with a plethora of stars

And laugh 

From the sea of my heart.

I am arduous desire

Bequeathed from mother Eve.

For eons I’ve known it well.

You’re attracted to my words

Despite yourself.

Blasphemous passion 

gushes from the eyes,

from one river bank to the other.

The smile on your lips enveloped in wonder.

The prophets break the idols of stone

And I followed in the footsteps of the saints.

* تبعت آثار قديسين. 

امسحْ على جبيني المنهك،

أعدْ لي أهازيج المساء المسلوبة.

ذاكرتي رصّعَتهَا بالعتب،

وأعَرْتُهَا للشمس.

القمرُ قدرٌ

والشمسُ تجري.

السماءُ ترتجفُ

تحتَ ثوبِها المرقّع.

سأجمعُ لها نجوماً معدودة،

وأضحكُ من قاع اليمّ الأبيض.

أنا الصَبابةُ المُتَوَارَثَةُ

عن أمّي حوّاء.

أجَدْتُها منذ دهور،

 تَعْجِبُكَ كلّما قَرأتَ لي حرفاً

ورغماً عنك.

انصبَّ الشَوقُ المُجدّفُ

بين العينين

من ضفة لأخرى.

شفاهُ ابتساماتكَ مزنّرةٌ بعجب.

وكَسَرَتِ الرسلُ أصنام الجمود،

وتبعتُ أنا آثار القِدّيسين.

انصبَّ الشَوقُ المُجدّفُ

بين العينين

من ضفة لأخرى.

10- كشاعرة كيف يمكن ان تصفي علاقتك مع وسائل التواصل الأجتماعي وما هو تأثيرها عليكِ وعلى المجتمع؟

بعد اختراع الفيسبوك، فقدنا هذا التجمع الأسري الجميل، وبات كل فرد منّا منكبا على هاتفه المحمول، يرّد على أصدقائه الموزعين في كلّ مكان. 

 فقدنا لغة الحوار الجميلة والنقاشات بين الأسرة بعد هذا التحول المفاجئ الذي ضرب وحدة الأسرة وترابطها. 

وسائل التواصل الاجتماعي هي ضريبة التطور الحاصل فلا نستطيع أن نلغيه ولكن علينا أن نبرمجه ليناسب حياتنا فلا يلقي بثقله علينا تماما وتفلت زمام الأمور من بين يدينا، كل شيء يحتاج لردع ودراسة وترشيد. 

وهنا أتذكر قول الإمام علي ع عندما قال:  لا أخاف على أمتي من الفقر، ولكن أخاف عليهم من قلة التدبير. 

وهذا هو فعلا ما نحتاحه، التدبير. 

11- ما هو جديد الشاعرة سوزان عون؟

بالنسبة للجديد، لدي الكثير مما لا زال محاصرا داخل جهاز الكومبيوتر ولا أعرف متى أطبعه وأخرجه ليتربع على صفحات الورق. 

 لن أستعجل، ولكن قريبا بإذن الله. 

12- هل من كلمة أخيرة للقراء؟

بلسان التحدي أقول، سأظل أرفع شعار الأمل والتفاؤل وأحلم بالغد القادم إلى أن يعمّ الخير والسلام كل بقاع الأرض وتنتصر إرادة الشعوب وتحقق مبتغاها.

كم أود لو أكتب عن العيد الحقيقي كما كنت أراه في الماضي، ولكن أحتاجُ لذاكرة جديدة، أحتاج لمداد لم يمسّه الحزن أو الألم. 

لأكتب عن الفرح يجب أن أنسى مآسي الحروب وصور الأطفال وهم يبكون ويتألمون.  

العيد،

أين غاب.. 

وأين تاه.. 

أعيدوه كما كان في الماضي.. 

أعيدوا الابتسامة للشفاه المتألمة، والقلوب الحزينة.. 

أعيدوا الفرح المسلوب والسلام المشظى. 

كفّوا أيديكم عن أعيادنا وأفراحنا وذكرياتنا، دعوا الناس تعيش بسلام. 

كلمة للمخربين وصانعي الحروب في كل مكان،

أما شبعتم تخريباً ونهباً وسرقة وقتلا وتدميرا،

ألا تخجلون من دموع الأمهات الثكالى وصراخ الأطفال اليتامى؟

ألا تبكون من رؤية الأطفال المقهورين الذين يفتشون في نفاياتكم عن لقمة يسدون بها جوعهم ويموتون على أعتاب بيوتكم ذلا وقهرا، ألا تتألمون كما نتألم؟

أملنا بالله كبير، نسأله أن يعم الخير على الجميع وأن يشافي الجرحى والمرضى، وينفّس هم المهمومين وكرب المكروبين.

في الختام، لكل من قرأ حواري وتفاعل معه محبتي وتقديري، وألف ألف تحية طيبة وإكبار للجميع.



مقالات دات صلة

التعليقات