حديث الجمعة : بقلم الشيخ الصادق العثماني .. الخطاب الديني التكفيري وحتمية الاجتهاد والتجديد

حديث الجمعة : بقلم الشيخ الصادق العثماني .. الخطاب الديني التكفيري وحتمية الاجتهاد والتجديد

حديث الجمعة : بقلم الشيخ الصادق العثماني .. الخطاب الديني التكفيري وحتمية الاجتهاد والتجديد

صحيح أن أصحاب فتاوى التكفير لم يقتلوا أحدا بأيديهم، كما أن المحرضين على الكراهية والقتل والمشعلين للفتن والثورات في البرامج الدينية والخطب المنبرية والقنوات الفاضائية، يقولون نفس الشيء لم يقتلوا ولم يفجروا ولم يذبحوا أحدا من خلق الله بأيديهم، حتى ابليس لم يقتل أحد بيده منذ أن خلقه الله تعالى، ولكنه سبب فى كل القتل الذى يحدث فى العالم، وكذلك ‎أصحاب فتاوى التكفير والمحرضين والمشعلين للفتن هم سبب القتل الذى يحدث فى الوطن العربي والإسلامي منذ بروز ما يسمى ب "الربيع العربي" إلى اليوم، فالأنهار من الدماء التي سالت ومازالت ستسيل -إذا لم يعالج الأمر- هي في رقبة وذمة هؤلاء يوم الحساب والعرض على الله تعالى؛ لهذا أخطر شيء على الشباب المسلم اليوم هو التقليد الأعمى لبعض الشيوخ والدعاة وكذلك القراءة الحرفية والنقل الحرفي لما سطر في كتب التراث الإسلامي من شروحات وفتاوى وأحكام دون استحضار معطيات الواقع والزمان والمكان والسياق التاريخي، يقول الشيخ الدكتور التهامي الحراق في هذا المضمار: "هناك مشكل خطير في التعامل مع النصوص الوحيانية في سياقنا المعاصر، مشكل القراءة الحرفية الظاهرية لهذه النصوص، بحيث تلغي هذه القراءة سياق تلك النصوص اللساني والتاريخي والثقافي والمعرفي والانتربولوجي….، وهو ما يجعل تلك القراءة تتوهم أنها تستخلص "مراد الله" من تلك النصوص، دون أن تفطن إلى أنها "تحرف الكلم عن مواضعه" عن غير وعي غالبا؛ لكونها لم تستوعب معرفيا الكيفية التي يتشكل بها المعنى انطلاقا من نص ما. ووهم استخلاص "مراد الله"في هذه القراءة هو الذي يغذي تعصبها وتشددها..". تفطن الإمام علي رضي عنه مبكرا لمعضلة فهم النصوص القرآنية وخطورة اتباع الجهلة في الدين الذين لم يستضيئوا بنور العلم، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: " أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرْنَا جَلَسَ ثُمَّ تَنَفَّسَ ثُمَّ قَالَ: " يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، وَاحْفَظْ مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ"، ويزداد الأمر خطورة على الشباب المسلم هو عندما يكون هؤلاء المشايخ والدعاة الذين اتبعوهم وقلدهوم واقتربوا منهم شبرا بشبر وذراعا بذراع من تيارات التبديع والتفسيق والتكفير والتفجير؛ لهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى كان يقول: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر.." ، فيا أيها الشيخ التكفيري إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك: "لم أبحت دم فلان بعدما كفرته؟" فما حجتك؟ إن قُلتَ: "قلدت إمامي وشيخي وأستاذي في إباحة دماء المسلمين، يقول لك -الله عز وجل-: "أفأنا أوجبت عليك تقليد إمامك؟!". ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما يقضى بين الناس في الدماء". وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "لا يزال المرء في فسحة من دينه، ما لم يتند بدم حرام" .

هنا ينبغي أن يعلم هؤلاء -أي شيوخ ودعاة التكفير وحفاظ الفتاوى- أن النصوص الشرعية محدودة، ولا يمكن أن تفي بمقاصد الناس في حياتهم المتطورة والمتجددة، لهذا من يُفتي الناس معتمدًا على النقل وحده من كتب التراث وعلى وجه التحديد كتب الفتاوى الدينية فقد ضلَّ وأضلَّ جماهير المسلمين معه، وحرمهم من نعمة الدين الإسلامي وجوهره وروحه وهو إسعاد الناس في الدنيا والآخرة، ومواكبة ظروفهم المجتمعية ومقتضيات العصر الذي يعيشون فيه، فالنصوص الدينية لم تكن يومًا مجرد حروفٍ حديدية جامدةٍ بلا معنى ولا روح تحويها الصدور وتحفظها الأوراق وتخطها الأقلام، لتبقى كالأحجار يثقلُ بحملها كاهلنا؛ وإلا سنكون بذلك من ينطبق عليهم قول الله تعالى: " كمثل الحمار يحمل أسفارا " ، ومما أتعجب منه شخصيا في هذه الأيام وهو أن هناك ترسانة عسكرية من الفقهاء والمشايخ والدعاة في وطننا العربي والإسلامي مرابطة على حصون هذا التراث الإسلامي الكلاسكي ولا تسمح بتاتا لأي فقيه أو باحث أو مفكر أو مجتهد النبش فيه أو محاولة تجديده أو انتقاده أوغربلته أو تصحيحه أو النفخ فيه من جديد روح الأصالة والمعاصرة -كما يفعله سماحة شيخنا عبد الله بن بيه مشكورا- وكل من يحاول اختراق هذا الحصن؛ أي حصن التراث قوبل بشواظ من نار التكفير والتشهير والطعن واللعن والقائمة تطول في هذا الباب، مع أن نبينا صلى الله عليه وسلم -وهو ما زال على قيد الحياة- كان يحثَّ أصحابه رضي الله عنهم جميعا على الاجتهاد والتجديد واستعمال العقل والتفكير والنظر والتدبر، وإذا أردنا تعبيرًا أكثر دقة، نقول: إنه صلى الله عليه وسلم دفعهم إلى الاجتهاد دفعا، واعتبره من ضروريات الحياة ومستجدات العصر، ومن ذلك ما رواه الحارث بن عمرو، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: أقضي بما قضى به رسول الله، قال: فإن لم تجد فيما قضى به رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدره، وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي الله ورسوله" ، وهذا الحديث -في الحقيقة- يؤكد لنا ومما لا يدع مجالا للشك أن الصحابة الكرام قد اجتهدوا في الكثير من الأحكام في العهد النبوي .



مقالات دات صلة

التعليقات