الكاتب سعيد منتسب "ضد الجميع" .. كتاب يعلن فيه الحرب على الكتابة المؤسسية

 الكاتب سعيد منتسب "ضد الجميع" .. كتاب يعلن فيه الحرب على الكتابة المؤسسية

الكاتب سعيد منتسب "ضد الجميع" .. كتاب يعلن فيه الحرب على الكتابة المؤسسية

 كتب محمد الخضيري . 

يعلن الكاتب المغربي سعيد منتسب في كتاب "ضد الجميع"، منشورات "سليكي أخوين"، الحرب على الكتابة المؤسسية. ويحاول عبر ما يفوق الأربعين نصاً قصيراً، (137 صفحة) الكتابة بقلب مفتوح، عن النثر والشعر ليطرح نماذج من الأدب القديم والمعاصر، يجد فيها رفيقة درب لتصوره لمهنة الكاتب

تحكي الأساطير الإغريقية، صُنْعَ ديدالوس المتاهة التي سُجن داخلها الوحش الأسطوري المينتور. الدخول إلى كتاب المغربي سعيد منتسب الجديد "ضد الجميع"، دخول إلى متاهة، يدرك صانعها جيداً، حرفة إخراج الوحوش من سجونها. الكتابة هنا إعلان حرب، يصرخ به القاص والشاعر المغربي تارة ويهمس به أحياناً أخرى في وداعة "الهدنة"، عبر نصوص تتبع خطوة فأخرى مهنة الكاتب.

وإن اختلفت أشكال الكتابة التي تتبعها نصوص الكتاب ومواقع العلاقة مع الكتابة (القارئ، الرقيب، الناشر، الوسط الأدبي...إلخ) إلا أن "ضد الجميع" يخوض في غمار الفكر والفلسفة والفنون بمتعة حقيقية. فالمؤلف يمزج ما بين ثقافته الموسوعية فهو دكتور في الأدب العربي، وبين حساسيته الأدبية ككاتب اختبر العديد من الأجناس (القصة، الشعر، الرواية)، ليمسك بالأساسي في نصوص قصيرة. نصوص يعلن عبرها قرابة مع أرواح ملعونة في الأدب، ويحارب "مرض الكتابة" في تلك التجارب الكتابية التي تلتزم بالوقوف دوماً على اليابسة وفي صف الكتابة الرسمية. هذا الشكل من الكِتاب لا يعدو أن يكون "تقرير حالة، يمكنه أن يظهر على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، ويمكنه أن يحظى بمتابعة نقدية"، (ص 58) أما هو فيصطف إلى جانب كُتّاب "يتعرضون للاضطهاد الذي يتكرر على نحو مدهش في كل ما يكتبونه. إنني هنا أفكر على وجه الدقة في كتاب من أغوتا كرستوف، صامويل بيكيت، إميل سيوران، كازانتزاكيس، توماس بينرهارد، إمري كيريتش، جان جينيه، أندري جيد... أفكر في كل الكتب القاتلة والمضادة للتسلية". (ص 58)

يجعل الكاتب الذي أصدر قبل سنة ديوان "أشواق اللوز" جزءاً كبيراً من كتابه الأخير للتفكير في الشعر. كتابة الشعر يعطيها منتسب أكثر من صفة فـ"الشعر يحب القناع" يحب الكذب بألوانه المختلفة، لكن الشعر لا يهادن أيضاً. لا يدخل حرباً فلا تستطيع الحروب تدميره. هو أيضاً بلا جسد كما الماء. خلف تفسير هنا، وتلميح هناك، تستحيل نصوص "ضد الجميع" إلى قصائد نثر في الكثير من المقاطع.

تُفَسَّرُ الكتابة في مختلف النصوص على أنها مجبولة من اليأس والندم والتمرد على الآباء والأصنام والتماثيل. لكن الكتاب يحاذر العنف المبالغ. فلا يسقط التماثيل بقدر ما يحاول فهمها كأركيولوجيا داخل التاريخ الطويل للشعر. وكأن الكاتب تتنازعه رغبتان. رغبة المبدع الذي يرفض وصاية "الآخر"، بأشكاله المختلفة ومنها الرقيب والقارئ، ومجتمع الكُتَّابْ، ورغبة الأكاديمي، الذي يحقب ويرسم خرائطية لجغرافيات شعرية مختلفة.

  حساسية جديدة . 

لكن هنا وهناك ينتصر سعيد منتسب لحساسية جديدة يراها الطريقة الأوحد للشعر. إنها كتابة خارجة عن الجماعة. عن تقاليد الأدب. عن المراكز المختلفة والعواصم الثقافية، وتجد خبزها الشعري في قرابات غير محتملة. هنا يستعير تعريف الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر لهذه الحالة: "إن الذين ندعوهم كتاباً، إنما يتولون الكتابة، بالضبط لكونهم يجلسون في مكان اختلاف مزدوج: يختلفون عن الناس ويختلفون عن أنفسهم" (ص 36).

لكن تظل هذه الرغبة في الكتابة بشحنتها الأنطولوجية والإيروسية، في قلب العالم. في كتاب "لذة النص"، يقول رولان بارت إن "النص الذي تكتبه يجب أن يعطيني دليلاً على أنه يرغب فيَّ. هذا الدليل يوجد: إنها الكتابة. فالكتابة هي علم لذة النص". مفهوم الرغبة واللذة هذا يحضر في "ضد الجميع". إنها هنا الرغبة في العالم، التي تتجلى عبر الكتابة وحتى حين "تنطفئ الرغبة في الكتابة إذا كان اليأس أكبر من الاحتجاج، لكنها لا تموت تماماً. إن الكاتب يسرق منها وجوده، فليس بوسعه حينذاك أن يرحل عنها إلى برد آخر. فيصبح مثيراً للشفقة (...) الكاتب يتوهم، عبر تدوين ما يعبره أو يخترقه، أنه غير قابل للموت، وأنه قادر على التخفيف من آلام المسيح الذي يحمله كل واحد منا داخله. (ألسنا جميعاً ورثة صليب بمعنى من المعاني؟)"، يكتب منتسب في نص "على مرمى العدو" (ص 50).

ولربما هو هذا الصليب الذي يسير به منتسب على طريق الجلجلة في الكتابة والحياة. ليظل رهانه الأساسي "أن يمشي خارج الأنساق متأبطاً غير قليل من الزلات والأخطاء والمروق الأخلاقي والديني والسياسي"، كما يقول تقديم العمل على الغلاف.

يتشاطر منتسب هذا الصليب مع كتاب مغاربة من الجيل الجديد، في نص "شعراء الإفراط". هؤلاء انطلقت تجاربهم في العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تنشر نصوصهم في الجرائد الورقية والمجلات ويطبعوا دواوين شعرية ومجموعات قصصية وروايات. يرى فيهم منتسب: "تجربة تتحقق بثبات ورباطة جأش، وبنوع من الحماس "الميتافيزيقي" على هامش "الديوان الشعري" الورقي، حيث فجروا جماليات كتابية جديدة، تعكس فهمهم الخاص للكيان الشعري بعيداً عن لغة الآباء المحليين المفترضين أبعد كثيراً عن "صناع الشعر". تجارب شعراء من قبيل عبد الرحيم الصايل ومنير الإدريسي وسكينة حبيب الله ومحمد بنميلود. بقدر ما يقف كتاب "ضد الجميع" في صف القطيعة والحرب مع ما لا يحبه الشاعر، يبني الكثير من جسور الصداقة والتواطؤ مع كتاب آخرين. يحضر أبو نواس والنفري والمعري وبودلير وبورخيس وصاحب "الكلب الأندلسي" لويس بونويل. تجاور الرواية القصة والسينما والمسرح، والنقد القديم يلتقي الحديث لنذهب إلى "ما وراء وجودنا الرخو" كما يشير واحد من عناوين النصوص الأربعة والأربعين المشكلة للكتاب.

 ضد الأصنام . 

بعيداً عن الجانب النظري يفرد المؤلف حيزاً واسعاً لتجارب أدبية عربية ومغربية وعالمية. يكتب عن صاحب "الزرافة المشعلة" أحمد بوزفور. صاحب "النظر في الوجه العزيز" الذي اختار "النظر في" بدل "النظر إلى" ليعكس حالة وجدانية وعبارة طبعت رسائل المغاربة لعقود. ينظر منتسب "في" عيني بوزفور اللتين لا "يمكن تقييدهما بوثاق، ولا يمكن تنويمهما بقرص أو وسادة أو بخاخة مخدر. إنهما ليس مجرد دليل. إنهما مثل الجرس المعلق في صدر الريح" وهما العينان اللتان تبصران الواقع في النص القصصي وتخلقان منه المفارقات، وجانبه الذي ينزاح نحو الغرابة.

يكتب منتسب بروح الصداقة العالية إلى كثيرين آخرين. ويستحضر تعرفه على نصوص الفيتوري، فأفريقيا التي عليها الاستيقاظ من حلمها كما تنشد قصيدة الفيتوري، تجاور ذكريات المراهقة والشباب والدراسة الجامعية، في جامعة ابن المسيك، في الدار البيضاء، والحياة اليومية التي مِلْحُها أغاني مارسيل خليفة وسير شهداء اليسار المغربي: المهدي بن بركة، شيخ العرب، عمر بنجلون.

يفرد منتسب، لكتَّاب القصة القصيرة حيزاً مهماً من نصوصه. كيف لا، وقد ابتدأ مشواره الأدبي قاصاً، بمجموعة "ترسم كما الأطفال" التي فاز بفضلها بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب. يحيي الكاتب في بورخيس تعامله مع الأبدية، وفي زكريا تامر قدرته على تركيب جمل "بدون أزرار"، وفي إدريس الخوري نصه الذي هو "مكسب لغوي مضاد لكل المؤسسات الفقهية التي حولتنا إلى معلبات (...) اللغة المخربة الوقحة المشعككة السكرانة غير العابئة بشعبها العربي، اللغة التي لا تسعى بأناقتها إلى نيل قبلة من شفة ثائرة ولا لمسة من نهد متحفز. اللغة التي لا تلغي فرديتها ولا تقيم حواجز بين ذكورتها ولا أنوثتها".

كتاب "ضد الجميع"، يجعل الرغبة في الخلخلة وانتقاد السائد نسقاً ناظماً للنصوص. لكنه أيضاَ مديح للصداقة. الصداقة من أجل النص، وداخله وله وحده. إنه النص المرتبك واليائس والعنيد في اختياراته الذي يَنْشُده الكاتب كائناً من كان. الكاتب المنعزل والمتوحّد في فردانيته، الذي يقف ضد الأصنام.

محمد الخضيري



مقالات دات صلة

التعليقات