الفنان محمد كريش.. البحث عن الجوهر في حمى الضوء

الفنان محمد كريش.. البحث عن الجوهر في حمى الضوء

الفنان محمد كريش.. البحث عن الجوهر في حمى الضوء





   محمد خصيف. 

إنَّه لمن الصعب أن تضع جانبا أهواءك وعواطفك ومعرفتك المسبقة بشخص تنوي أن تكتب عنه وعن أعماله. فالكتابة من هذا النوع تنطوي على الكثير من المزالق والمخاطر، حيث تهيمن المعرفة المسبقة المتسترة بقناع الأحاسيس والأهواء، مما يؤدي بالكاتب إلى إعطاء متن نقدي تبطنه الأحكام الجاهزة، البعيدة عن التحليل الموضوعي والقريبة من الانطباعية العاطفية.  وفيها كذلك الكثير من الفائدة التي تكون للقارئ عونا على ولوج خبايا من نكتب عنه، فنانا أو قاصا أو أديبا. والحقيقة أن الكاتب المقرب ممن يكتب عنه هو من يكشف لنا عن أشياء يتعذر علينا معرفتها، إذا هو، أي الكاتب، توفق في استخدام أدواته المعرفية والنقدية مع التحكم في مشاعره. فهو دون غيره، الأقرب من المبدع وظروف اشتغاله النفسية والمادية، "وهذا ما يساعد على الاقتراب من حَرَمِ الإبداع"، بالسفر المضني والتنقل المرهق بين عوالم الإبداع ومكنون الشخصية، المنطوية على أسرار متخفية، غالبا ما يتستر عنها صاحبها، بل تتحداه للبوح بها. 

كل هذا لا يعني أن على الكاتب وضع الأهواء والعواطف والمعرفة المسبقة جانبا. فالقرب من المبدع يفيد كثيرا في توظيف " المفاتيح التي تهيّئ للولوج إلى أعماق الأديب ونصوصه"، مع الاحتراز من الوقوع في شباك "القراءة الانطباعية" السهلة التي قد تجعل التعمق في عمل المبدع واستقصاء دقائقه والاستفاضة في البحث شيئا ممتنعا ومستعصيا. 


هذه المقدمة القصيرة أراها هامة وضرورية خصوصا وأني مقبل على الكتابة عن شخص تربطني به صداقة تجدرت مع الزمن حتى أصبحت مثل أخوة. "فمعرفتي الشخصية بالفنان محمد كريش عمرها سنوات معدودة ولكنّها تعمَّقت أواصرها وكأنّها من الأزل، فتمتدُّ بعمقها وحرارتها إلى عالم أوسع وسنوات أطول.  وكأنَّني أعرفه منذ ولدنا".

محمد كريش من مواليد 1954 بمدينة فاس المغربية.  تلقى دراسته الفنية بمدرسة الفنون التطبيقية حيث توج تكوينه سنة 1974، وحامل بديبلوم تقني تخصص هندسة الديكور(décoration). عمل كمدرس للفنون التشكيلية بالشعب التخصصية ثم كمؤطر تربوي خلال الفترة ما بين 1976 و2006. في العام 1971 شارك في أول معرض جماعي أقيم بالدر البيضاء بمدرسة الفنون التطبيقية. وفي العام 1976 أقام أول معرضه الفردي بالمركز الثقافي الفرنسي بفاس، مسقط رأسه. وانطلاقا من تلك الفترة توالت أنشطته الفنية ومعارضه فردية بمدن الرباط، والدار البيضاء ومراكش وطنجة وفاس وغيرها...  وفي سياق النشاطات التشكيلية الجماعية، شارك في معارض وتظاهرات فنية داخل المغرب وخارجه. ومن أبرزها معارض نظمت في كل من فرنسا وألمانيا وإسبانيا والولايات المتحدة وكندا والإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية... له عدة إنجازات في مجال التزيين الهندسي المعماري يوجد أهمها بمدينة فاس.

محمد كريش فنان زاوج بين التصوير والرسم والفن الفوتوغرافي مند بداياته الأولى، مما جعله يتمتع بأهلية وخبرة واسعة بالمجال التصوير الفوتوغرافي وتقنياته... ما بين سنتي1996 و2006 عمل في مجال الصورة الرقمية واشتغل ضمن تخصص «الأنفوغرافيا"، حيث أنجز عدة أعمال من أهمها ما يدخل في إطار فن تصميم الكتاب وإخراجه. 

توجد أغلب أعماله ضمن المجموعات والمقتنيات الفنية والتحفية، الخاصة منها والمؤسسية (كالمؤسسات البنكية والإدارية والسياحية والثقافية المغربية منها والأجنبية...).

مند العام 1992،  وفي إطار النقد الفني نُشرت له باللغتين العربية والفرنسية،  في عدد من الجرائد والمجلات والدوريات الورقية والرقمية، مقالات ومقاربات عدة  في الحقل التشكيلي عامة والمغربي خاصة ومن أهمها: مقاربة بالفرنسية لأعمال الفنان المغربي محمد بوزيان سنة 1992 ومقالة بالعربية  حول زمنية الصورة التشكيلية -اللوحة التشخيصية نموذجا-، ومقالة بالعربية  بعنوان: الفن المعاصر المغربي ومتاهات التوطين، مقالة بالعربية  بعنوان: الفنان الكاتب تثنية الذات، مقالة بالفرنسية بعنوان : permanent et éphémère  ...كما له كتابات أخرى تتنوع اهتماماتها  ومجالاتها، منها المنشور ومنها غير المنشور. 

يمكن للمتتبع لمسيرة محمد كريش الفنية أن يتوقف عند ثلاث محطات رئيسية: الاشتغال على الحرف العربي وإدراجه كمكون من مكونات العمل التشكيلي. فعملية الإبداع هنا، "غايتها ومؤداها تحري طرح «قضية إشكالية" ترتبط بالاستلاب والغربة اللتان تعتريان الكينونة الفنية والثقافية، أي "قضية الذات والهوية". 

الأسلوب التشخيصي الذي نهجه الفنان محمد كريش ُلا يبتعد كذلك عن "قضية الذات والهوية". فيمكننا استكناه ذلك من بوح المواضيع، إذ تحضر بعنف نوستالجيا المدينة القديمة، بأسوارها ودورها وأسواقها، ومناخها البارد، كتيمات رئيسية. ويعلل محمد كريش نهجه الأسلوب التشخيصي بقوله: إن "البعد الجوهري الناظم للتفكير الفني -لدي-والمؤسس للرؤية والتمثل الفلسفي والمقاربة الفكرية إزاء الأشياء والأحداث والمعرفة والتاريخ والحضارة والحياة... إلخ. لا يروم -بشكل من الأشكال-ولا يستهدف أبدا تصوير/ تشخيص معالم المرئيات والكون المباشر للحياة وأشياءها، أي، بمعنى آخر، الواقع المعاين، ونسخه نسخا".

فالصور التشخيصية "التي تكَوِّن وتشكل اللوحة (بمعناها المجرد أي كثابت)، تتأثث دائما من لقطات: instantanés مستدعاة من أزمة وفضاءات انقرضت، ضاربة في التاريخ والزمن (...) وهكذا فإن وضع المتلقي إزاء هذه الأزمنة البائدة والمستحضرة من الماضي تجعله ضمن وضعية حيرة واستفزاز في نفس الآن. وبالتالي فاللوحة في حقيقتها تشكل لديه نوعا من التوتر والقلق من حيث إنه -من خلالها-موجود وغير موجود. أي موجود عبر ذاكرة اللوحة/الصورة، وغير موجود من حيث لا امتداد لها   في الواقع، أي لتلك الذاكرة. وبالتالي هو منقطع الذات. وبالتالي هويته".

". وأتمثل لهذه المرحلة الغنية بمعرض قاعة Structure BS الذي نظم بالرباط خلال ثمانينيات القرن الماضي.

  وأخيرا التوقف عند تجربة تجريدية أصيلة، لها مقومات شاعرية ونغمية، تتراقص فيها الألوان والأشكال في رحاب المادة الناتئة. وتتجرد الطبيعة من تشخيصها وتنسل الأشياء والشخوص من لفائفها، لتغدو الصورة بمثابة «تأشير رمزي لقضية الأنا والآخر والذات".

إن موقف محمد كريش اتجاه نماذجه واضح: تشخيصي يعتمد على الملاحظة المحفوظة بالذاكرة، إيحائيا، فهو يحاول أن ينقل للمشاهد الإحساس الفردي الذي يشعر به تجاه الطبيعة. يبحث عن جوهر وماهية إبداعه في حمى الضوء الساطع الملتهم.

إن توتر العمل/المنجز يتولد عن الصراع المتحد، بين إرادة جَزْب الشكل دون سلخه من هويته الأصلية، ومحاولة دمجه في وحدة محيطه. لذا يعلق الفنان أمله واهتمامه بالضوء/النور الذي عادة ما يلتهم الشكل وينخره. إلا أن الأزرق الأرجواني يتدخل ليخفف من حدة الضوء لدرجة تغييبه في بعض الأعمال. فرغم انتسابه لمدينة فاس المعروفة بطقسها الحار وشمسها الساطعة، تبقى أعمال محمد كريش تهيم وسط هالة لونية باردة، تهيمن على تناغماتها الرماديات الملونة. 

اللون يذيب الشكل لدرجة المسح وعدم الدقة. والشكل يفقد حدوده وهالته ليتمتع بزعزعة وذبذبة تشعر المتلقي وكأنه أمام أشكال تكرر نفسها وتستعيد حضورها متنقلة، منتشرة، مشتتة فوق فضاء اللوحة بعفوية وتلقائية وكأنها خيالات شخوص تجري لمستقر لها. الشخوص التي كانت تملأ فضاءات جوار الأسوار نراها تتسلق فضاء اللوحة إلى ما لانهاية، تنصهر مخلفة وراءها تكوينات لا معنى مقصودا من ورائها إلا جوهر جمالي/ تشكيلي ينسق بين اللون والشكل والخط، تحيك خيوطه تجربة الفنان العميقة. فتصبح اللوحة الواحدة جزءا من فضاء/تكوين تشكيلي لانهاية له. أجواء، هواء، رطوبة، مادة خشنة أحيانا وناعمة أحيانا أخرى، نتلمس منها نعومة الأكرليك...

يعكف كريش على تحليل إحساسه البصري، وترجمته إلى درجة قصوى من كثافة اللون، بحيث يشكل اللون والشكل كلا متجانسا. إنه في الواقع بحث شاق، ربما لا يسمح بأن يداس نظامه التلويني، نظام يسعى إلى الهدم وليس (ه) يبتغي البناء. الأمر الذي يؤدي إلى مبدأ يتعدى الموقف الواقعي. الفنان لا يرسم الواقع محاكاة ولكنه يقترحه ليوفر للمتلقي معايشة ذكريات المدينة القديمة البائدة... معايشة مناظر لا حقيقية انمحت. فعلى ما يبدو، أن الخط لا يساعد في هذه المناورة... فدوره ينحصر في فصل وتعيين حدود مناطق مختلفة من اللوحة، بشكل مصطنع.  

تنعدم الخطوط في الطبيعة تاركة المكان شاغرا للأشكال والألوان. فبدون اللون لا شكل، وبدون الشكل لا لون. إنها ليست سوى اتفاقية أسس لها التاريخ.

بنية اللوحة غير كافلة لأي بناء هندسي. فتم إلغاء المنظور لصالح الكتل اللونية التي يتيه معها البصر. والحيز المخصص للسماء/الفضاء هام جدا، لدرجة أن الضوء يصبح صلبا، وحوافي الأشياء لم تعد تهرب تجاه نقطة هروب/مركز يتموضع على الأفق.

في أعمال كريش تبدو القطيعة مع التقليد واضحة. فالفنان يبحث عن التبسيط والتركيب والدقة من خلال تعبير شخصي وترجمة لعناصر الطبيعة. لوحاته مزيج من هواء الورشة والهواء المطلق الكامل المملوء بضوء الشمس.

بناء، نمط، معمار مقترح، ربما غير تام، غير دقيق، يستحم في هالة كثيفة عاكسة وضبابية.

مادة الجدار الخشنة، تبزغ وتنعتق من الصراع القائم بين اللطخات اللونية والتناقضات جودة/كم التي تخلفها الفرشاة.

اللوحة لدى كريش كما هي صوره الفوتوغرافية، لا تخضع لأية قاعدة نمطية، وفي نفس الآن تحترم جميع القواعد. إنه تعبير بعيد عن الفوضى، نتيجة خبرة ومهارة وممارسة صقلتها الأيام.  ولا أدري من الذي يلهم الآخر الرسام، أم المصور. لم أكن أجرؤ على التساؤل.


مقالات دات صلة

التعليقات