سعيد منتسب .. ما معنى أن تكتب بجرأة؟

سعيد منتسب .. ما معنى أن تكتب بجرأة؟

سعيد منتسب .. ما معنى أن تكتب بجرأة؟

تأكيدا، ليس معنى ذلك أن تُدخل القارئ بركلة بين الإليتين إلى غرفة للدمى الجنسية، ولا أن تشهر أمامه شفرة للحلاقة تمزق بها مفاتن السلطة، سواء أكانت سياسية أو دينية أو أمنية. 

وبمعنى أدق، ليست الجرأة هي أن تنضو عنك ثيابك بتؤدة الراقصات الستربتيزيات، ولا أن تدخن غليونك أمام موقد حجري جالسا على أريكة لتكتب "المهجيات السياسية" أو "الروايات البورنوغرافية"- مع أن لها قراءها الأبرار- بل الجرأة هي أن تهوي بكل قوتك على شجرتك الخاصة دون شفقة، وأن تتخلى على نحو نهائي عن حصتك من الفرح.

الجرأة ليست هي أن تمتدح فحولتك أو أنوثتك، أو أن تنشر أعضاءك التناسلية على الملأ. بل أن تنظر إلى نفسك مسبقا كجثة باردة، أن تتوغل عميقا في البحث عن حرارتك، كأنك هارب من معتقلات سيبريا الرهيبة أو محاجز المرض العقلي.

إنني أفكر في ما كتبه فانسان فان كوخ، مثلا، في رسالته إلى أخيه ثيو: 

"إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة. إنني أتعفن مللاً، لولا ريشتي وألواني هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطاً وألواناً جديدة، غير تلك التي يتعثر بصرنا بها كل يوم. كل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي. هل هي كذلك في الطبيعة أم أن عيني مريضتان؟ ها أنا أعيد رسمها كما أقدح النار الكامنة فيها".

لقد كان فان كوغ يشعر بشكل حاد بأنه ضرير أمام الألوان التي يطاردها ويتعذب بها. تلك كانت جرأته التي قادته إلى الدخول في حرب مع "الموجود" و"الاعتيادي". ولهذا جرب كخميائي كل الخلطات من أجل أن يعثر على ألوان طرية يحفظ أسرارها لوحده. 

لم يبحث عن شهرة مزيفة، ولم يضق ذرعا بالتجارب الفاشلة. كان يعرف أن الفشل هو ضوء الطريق، وكان يعلم أن بإمكانه أن يعثر على لون لعطر حبيبته إِنْ أمسك ظله ليرسم به، وإِنْ استقطر جسده حتى آخر خفقة من أجل أن يَرَى ما لا يُرَى.

الجرأة هي أن تعرف كيف تجحد حقك في التصفيق، وأن تمشي بثقة العميان إلى باب روحك..



مقالات دات صلة

التعليقات