كندنسكي والقـفـز من الممكن الي المستحيل .. و من الرصانـة للحلم .

كندنسكي والقـفـز من الممكن الي المستحيل .. و من الرصانـة للحلم .

كندنسكي والقـفـز من الممكن الي المستحيل .. و من الرصانـة للحلم .




   آربريس :  باريس ـ عبدالرازق عكاشة *   

إنه نهـر التحولات وجماليّات التمـرّد .

** حرك الفنان الإيطالي "جورج جيريكو-1888-" وأفكاره الميتافيزيقية. والفلسفية المنصّات النّـائمة تجاه حراك جديد .. السريالية و الدادية .. نموذجاً .

كان لـ "جيريكو" الفضل . نعم .. في التمهيد إلى ظهور بعض المدارس الحديثة .."نقول (ايوة) بالعاميّة المصريّة المميزة علي عيني وراسي" .. لكــن ... كان للأب " سيزان" المولود : 19 يناير 1839، آكس أون بروفانس بـفرنسا .. دوراً أكبر و أخطـر في تحـوّلات الفنّـانين ، وفتح آفاق كبرى لـمعظم الافنجارد .

المناخ الإجتماعي و البحثي الأدبي و التشكيلي الذي خلّفته الثّـورة الفرنسيّة و التي أثّرت في المجتمعات الأوربية كلها و العالم ...

نعم ، نحن المصريّون .. كنّـا في حاجة إلي مثلها ، أمّا أثـرها التّشكيلي ، و الأدبي ظهر عند "كليمـت" الرائع - النصف الآخر من أوربا- كليمت - أخد - رودان مثلاً .. و طرح أفكاره المتجدّدة في تغيّرات الفـن النّـمساوي ،

"كاندنسكـي" الروسي - أثر فيه .. معرض الفـن الفرنسـي بـروسيا - تحديدا - لوحة كلود مونيه- "جرن القمح" .. كما ذكرنا المقال السابق .

أمّا "سِـيزان" المُجدد هو الإبن الشّرعي لـ "ثقافة التمرّد" .. إبن شرعي للفنان "كوربيه" - الفنّان الخطير في تحوّلات الفنون، و إبن ثقافة الشاعر-" بودلير" - و فلسفة الجدل عند "ديكارت" ، هؤلاء :

(المجدّدين ، الطلائعـيّين)، لهم الفضل علي الحداثة في العالم ، و التّلخيص و التأمّل ، و الدّهشة ، 

كان لـ"سيزان " الأب أثراً كبيرا علي ظهور التّجريد ، و التّحويلات إلي التّكعيبيّة ثم التجريد التّـكعيبي عند - جورج براك ، و بيكاسو ، فرنان ليجه - . 

و لكن لا يغفل أحد الدّور البارز لبعض الأوربيّـين العباقرة في الأدب .. و الفنون من يغفل 

رواية - د. جيفاغو - ! رواية كتبها الروائي الروسي "بوريس باسترناك" هذه الرواية التي تَعد إبداع في السيرة الذاتيّة في جزء منها. ورواية ملحميّة في جزء أخر ، بدءاً من العام 1903، 

*كاندنسكي المبدع في الفن التشكيلي 1866-1944 واحداً من أبرز مؤسّسي التّجريد ، و رائـد مُهم كما عرضنا في المقـال السّـابق عن البدايات .. و اليوم أكتب لكم عن نهـر التّحولات ، و جماليّات التمـرّد .. * .. كاندنسكي - يشرح لنَـا بـنفسه في مقالات التنظير عن التّـجريد بالمفهوم اللغوي ..

يقول : تجـريد الشئ يعني ..( نزع السطحي عَـنـهَ .. للوصول للعمق ) .. تطهير الشكل من القناع الخارجي . 

علي صعيد آخر يرد "بول كلي" - يقول : ( الفن التّجريدي هو : تجريد استخلصه من الطبيعة بالتأمّل ، و الدّهشة أمامها .. الإمعان و الغرق في التفكير جيداً ، و بالتّحديق في الخلق الناجم عن ذلك )...... كاندنسكي - أثناء ممارسة الفن يرى شئ آخر ، او ربما ثالث عكس النظريات و التنظير .. 

* هو تحويل الأشكال إلى سطوح و خطوط و مساحات و نقاط يتم اختزالها ، و التقليل من ايقاعها .. بحثَـاً عن الجوهـر . لكن يسبق ذلك :

مَـرحلة حيـث يُـملِـي الفنّـان اللّـوحـة بالعناصر .. يُـريد أن يُـرشـدنا إلي أنّ : قبـل الـزّهـد لابُـدّ مِـن ممارسة الشّـبَـع .. ثُـمّ القناعَـة. فـالزّهد ، 

و اختصار الشّكل الخارجي .. مستغلاً لـطاقات الشّكل الداخليّة .. أنها مرحلة امتلاء البئر قبل إفراغة. هنا يتكلم من جديد عن الطاقة ، و الأشكال الهندسيّة، و المسطّحة، و إعادة بنائها و صياغتها بشكل جمالي جديد .. و كـأنّه مـتصوّف صافي الذهن . متشبّـع 

... فكانت لآراء - أفلاطون الجماليّة - تأثيرها العميق على الإنقلاب الضّخم الذي صدر عنه ظهور المذاهب الفنيّة الحديثة المعاصرة و خاصة على أفكار ، و أداء كاندنسكي في أعماله الفنية المتحوّلة جماليّـاً - كفلسفة و استخلاص اللّعب اللّـوني من اللّوحة التي تشاهَـد بالنّـظر ، و نشعر بجمالها المرئي إلي لوحة تشاهَـد بالبصيرة .. تسكن قلبك و لا تغادره فجأة بعد الخروج من المتحف او المعرض ، 

ذكر -أفلاطون- بأن هناك حقائق مستترة في أعماق الشئ غير مرئيّة ، و التي هي تمثل المطلق .. كما طرح في احد كتبه ( حواريّة فيليبوس ) بـأن الخط و الدّوائر و المساحات - هي جميلة في ذاتها جمالاً مطلقاً .

يضاف الى ذلك آراء الفيلسـوف الفرنسي- أندريه بريتون - المُنظّر و الفنّان السريالي .. ( أن جميع الفنون تطمح إلى ما بلغته الموسيقى من أوضاعها التّجريديّة ) .. هنا سنجد ما حدث مع " كاندنسكي ".. حين حضر أحد الحفلات الموسيقية . و كان لها أثرها الملموس على الأداء التّكويني و الرّوحي لأعماله قائلاً :  إن الفن المعاصر يمـر في إحدى أعظم فترات الإبداع بقـوة دافعة هائلة من الداخل .. تجاة التّـعبير الحُـر .

هنا سنقف أمام تحليل المرحلة الثانية من رحلة الفنان بعد أن توقفت عند المرحلة الأولي الجمعة الماضية..

-------

في تلك المرحلة بدأ الفنان محدّدا مساره تماما بـرفض العمل كـأستاذ قانون دولي، ومفضّلا إحتراف الفن .. بدأت الأرصفة تحت قدميه تتحوّل من السّير عليها إلي لوحات يجب تأملها .. بدأ التعامل مع الأشياء بشكل حسّـي عميق ، في اختصار الخطوط ، و تحديد أكبر لـزوايا التّصوير " ..

بدأ النّـور حالة ، و الظّـل في حد ذاته شكل ، و ليس ظـل لـشكل .. كما سبق بدأت رحلة البحث عن شكل النّـور ، وشكل الظّل .. وليس مجرّد إسقاط اكاديمي . 

هنا بدأ الوعد بأنّـنـا سَـنرى مرحلة أخري ليست قائمة علي تغييب الشكل كما في المرحلة الأخيرة .. لكن قائمة علي خلق أشكال جديدة داخل الطبيعة .. و أنّ تحـوّلات الطبيعة نفسها هي مسار لخلق طبيعة موازي ، هنا بدأ يطرح مفاهيم هندسيّة قائمة علي قراءت فلسفيّة أكثر من طرحه الموسيقي ، وا إمتلأت اللّوحات بحالات صراعات بين الطبيعة وتـأمّله هو الفنّـان - لما ورائها - أو محاولة إستنهاض الحواس البصريّـة .. لإستكشاف شئٍ موازي حالٌـم .

إنّـهـا محاولات التّحليق في فضـاءٍ آخر. و تجاوُز المطلق باتجاه التّحليق في حلم المستحيل ..

على فِكرة - لو تأمّلنـا جميعاً بعض الحالات عند الفنّـان المصري الأصيل  " محمود سعيد " تحديداً سـ نجد أنّـه حاول في هذا المضمار - ، و هنا يجب التّنبية بـضرورة إعادة قراءة الرّواد بـشكل حسّي و تركيز ذهني معمّق ، و ليس مجرّد استحضار السير الذاتيّة --

نعود إلى كاندنـسكي .. الذي أعتقد ان اللّوحة في هذه المرحلة تحديداً حُمّلت بما لاطاقة لها بها .. فبرغم الجماليّات اللّونيّة المهمه .

إلّا أنها تبدو في حالة صراع كبير .. " الرغبة في التحرر و الإنطلاق ، و لكن هناك أيدي مكتوفة .. لــتُعيد الفنان لـتذكّر الطّبيعة !

أعتقد هنا ثقافة المجتمع ، الخوف بعض الشّئ من فـرط إنطلاقة فرشاة الحرّية .. و لا نـنسى أن طبيعة دراسة كاندنسكي الحقوق مثل محمود سعيد المصري. تفرض عليه أحياناً الإلتزام بالقانون ، و المجتمع الرّوسي الأكاديمي ..خاصة أن كاندنسكي لم يَدرس أكاديميا -

و أعود أذكّركُم أنّـه عكس "بول كلي" في الذّهاب إلي التّجـريد بـسرعة الانطـلاق ...  في هذه المرحلة الثانية عند - كاندنسكي- أعتقد ان الفنّان ظل يُـزحزح الفرشاة تجاه حالة مزاجيّة أخري واقعة بين الإرتباك ، الفوضى ، و حرّية اللون تجاه ثورة حسّـية ، و خوف من جغرافيا المجتمع .

خريطة الأرض المرتبطة بالمدارس الكلاسيكيّة هنا تـؤكد أهميّة وجوده في أوربا .. ألمانيا تحديداً .. إنها خطوة تجاه رفض الجمود البصـري الروسي ، خطوة للإنعزال عن ثلج المطلق .. تجاه نـار المستحيل..

ما أقسَـي الصرّاع علي قلبك أيّهـا الرّائع كاندنسكـي . و انت تتخذ خطواتك الواحدة تِـلوَ الأخرى لتحرير المفهوم البصري و تقريباً، إلي مفهوم جمالي خالص.

بـاريس متأمّـلاً للـرحلـة .

و إلى حلقة أخري الأسبوع القادم .

   *عبدالرازق عكاشة فنان تشكيلي وناقد ورئيس ملتقى شمس العالمي للفن التشكيلي بباريس . 



مقالات دات صلة

التعليقات