سلوى ياسين: أناقة الصغر

سلوى ياسين: أناقة الصغر

سلوى ياسين: أناقة الصغر

  سعيد منتسب*. 

تجلس القصة القصيرة داخل صالون مغربي واسع إسمه الأدب كطفلة صغيرة وذكية تفرك يديها من الخجل. أحيانا تشبك أصابعها في ما يشبه محاولة للتحكم في قلق القصر. قلق الحجم الصغير. تتطلع إلى حجمها و هي تردد : هل هذا يكفي؟  تقول للعابرين الذين  يزورون المعارض و المكتبات و هم يستغربون من حجمها :   أنا لست رواية ولا حتى رواية قصيرة لست حكاية كاملة.أنا قصة قصيرة.  

فإذا كانت الرواية تلتهم كل الحكايات ما الذي يتبقى للقصة؟ أن ترش حبات السمسم على قطعة  الحلوى.  وفي حمام الأدب الصاخب و الساخن يمكنها أن تهتم بأن تمرر إسفنجة الصابون على ظهر مستحم مجهول لا ترى وجهه. حسنا... يتبقى لها ببساطة صغير الأشياء. التي هي حتما أشياء عظيمة . أفكر في القصة القصيرة وأرى بوضوح عظمة الدقة والصغر في روعة شجيرات فن "البونصاي" العريق. يا له من فن لا تقدر عليه الرواية التي بيدها الضخمة و بطنها المنفوخ بالاحداث والحكايات وانشغالها بالاحتفاظ على النفس الطويل تبدو أكبر من أن ترعى ما ترعاه القصة.  القصة التي تشبه جرعة الهيروين القليلة القاتلة...  قليل الفودكا في  قعر كأس صغير، ومع ذلك تقلب العالم داخل رأس القارئ. تمد القصة  يدها كأم  إلى قصعة الكسكس تختار قليلا من كل شيء خضر و لحم و زبيب و حمص تحركها بعناية و حرفية في راحة اليد تلقمها لطفلها- للقارئ و هي تعرف أن تلك الكرة هي الكسكس كله. تردد القصة القصيرة: اقرأني ، لن يفوتك شيء ! صدقني. القصة القصيرة تستدين رغبة الشاعر "وليم بليك" في أن يرى العالم في حبة رمل و الجنة في وردة برية ، و من " ت إس إليوت"  تتوق القصة لأن تجلب للقارئ الرعب في حفنة من تراب. 

نحو نظام  عالمي جديد للقصة القصيرة.

لا أكاد أصدق ذلك. هناك اليوم ماكينة أنيقة تبيعك القصص القصيرة في حلة جميلة على ورق يشبه ذلك الذي تطبع عليه فواتير السوبرماركت  اقتنى المخرج العالمي "فرانسيس فورد كوبولا" واحدة و وضعها داخل المقهى الذي يمتلكه في "سان فرانسيسكو". هذه حتما طريقة جديدة وغير مسبوقة لاستهلاك الأدب.  لا يمكن لأحد أن يتجاهل العهد الجديد الذي ينتظر الأدب والقصة القصيرة خصوصا. لا يمكن تجاهل هذا النظام الجديد حتى أثناء كتابة القصة القصيرة. أحيانا،  أكتب قصة و أفكر أن أنشر جزءا منها على صفحة الفايسبوك. أقيس المساحة التي ستأخذها. ما الجزء الأكثر تمثيلا لروح القصة؟ وأردد هل هذا يكفي؟ أم كثير؟ أم أن حجمه لا يلائم  القارئ على الفايسبوك الذي يبدو مستعجلا  لكنه مع ذلك درب ذوقه على جميع أنواع الكتابة. أين ينبغي أن أضع نقط الحذف؟ يتعاظم  لدي التفكير في الحذف بدل الاضافة. وأين يجب أن أتوقف؟ أحب هذا النظام بمعنى Nouveau ordre . أن  يفتح الفايسبوك و باقي التكنولوجيا وحيثياتها أمام القصة القصيرة بابا جديدا يخلصها من سموم الصالونات و الورق والحبر. أتذكر كل الذين قرأت لهم قصص قصيرة خارج التنميط. أفكر في الكاتب الأمريكي "أو هنري" الذي كتب قصصا بحجم فاتورة. ما الذي كان سينشره اليوم على صفحته؟ كيف كان القراء سيتلقون قصصه؟ يجب أيضا  الانتباه إلى أن الفايسبوك وغيره من الوسائط الحديثة ليست فقط وسيلة لنشر القصص القصيرة أو مقتطفات منها، وليست هناك للترويج  لها فحسب، بل هي واقع مواز. واقع منقول بدقة صوتا وصورة. كيف سيصير دور الواقع داخل القصة القصيرة ؟ هل ستضل هذه الأخيرة تغزو بلادا سبقها إليها الفاتحون الجدد؟ سيتغير بالتأكيد موقف جميع الأشكال الإبداعية تجاه الواقع و كيف يمكن نقل حيثياته. لا مفر من إعادة التفكير في القصة القصيرة كشكل أنيق حجمه ملائم جدا للقراءة السريعة، لكنه مع ذلك لا يجب أن نستسهل هذا القصر و الحجم الصغير الذي هو فخر القصة ، إنه حجم صغير خادع.  القصة تشبه قوقعة صغيرة ملقاة نصف مدفونة تحت رمال شاطئ هادئ  تشمهاثم تضعها على أذنك فيأتي المحيط بكامله إلى قلبك.

صحافي و وكاتب*


مقالات دات صلة

التعليقات