زهرة رميج في حفل تكريم حميد لحمداني .. كدفء الشمس يتسلل إليك

زهرة رميج في حفل تكريم حميد لحمداني .. كدفء الشمس يتسلل إليك

زهرة رميج في حفل تكريم حميد لحمداني .. كدفء الشمس يتسلل إليك



عندما اقترح علي صديقي الدكتور عبد الواحد لمرابط المشاركة في حفل تكريم الدكتور حميد لحمداني في هذا المؤتمر الدولي الأول حول "الترجمة وأنماط النصوص"، هالني الأمر. فبقدر محبتي وتقديري للدكتور حميد لحمداني، كان تهيبي من كتابة كلمة في حقه، إذ وجدت العديد من الأسئلة تفرض نفسها: "ما الذي يمكنني قوله أنا التي لم أتتلمذ على يده، ولم أعمل إلى جانبه، ولا أتقاسم معه هموم النقد ونظرياته؟ وما قيمة شهادتي أمام شهادات طلبته وزملائه والنقاد أمثاله، وهل يمكنها أن ترقى إلى مستوى هذا التشريف؟" كل هذه الأسئلة جعلت كتابة شهادة في حقه تبدو لي بمثابة صعود جبل شاهق العلو، وعر المسالك... 

اعتذرت للدكتور عبد الواحد لمرابط شاكرة له تشريفي باقتراحه، ومؤكدة له رغبتي الشديدة في حضور حفل تكريم أستاذنا الفاضل تعبيرا عن محبتي وتقديري دونما كلمات...  

بعد انتهاء المكالمة الهاتفية، بقي تفكيري منشغلا بهذا الاقتراح. 

أول ما استوقفني تاريخ التكريم. الرابع عشر من شهر فبراير... إنه عيد الحب!.. يا لها من مصادفة جميلة! التكريم حب... الاحتفاء بالكتابة حب... الشهادة حب... وأنا مدينة للدكتور حميد لحمداني بالكثير من الحب والتقدير رغم ندرة لقاءاتي به... كما أني بدوري، أكن له الكثير من الحب والتقدير ليس باعتباره كاتبا موسوعيا وناقدا رصينا من خيرة النقاد المغاربة والعرب وحسب، وإنما أيضا وأساسا، باعتباره إنسانا عميقا ومثقفا حقيقيا وصادقا يشبه كتابته في العمق والرصانة. 

قلت لنفسي: "ما دمتُ مؤمنة بضرورة التعبير عن مشاعر الحب لمن نحبهم فعلا ونقدرهم، فلتكن كلمتي مجرد رسالة حب في عيد الحب..." 

هكذا حسمت أمر كتابة شهادة في حق هذا الأديب المتعدد، العصي عن الإمساك، وقررت أن أكتب لا عن الناقد والروائي والمترجم، وإنما عن المثقف/ الإنسان كما تجلى أمامي خلال اللقاءات القليلة التي جمعتني به، وتركت في نفسي أثرا عميقا لا ينمحي... 

أول لقائي بالدكتور حميد لحمداني كان في ملتقى مشرع بلقصيري الوطني السادس للقصة القصيرة الذي انعقد في شهر ماي 2009 وتمحور حول فن القصة القصيرة جدا. تمت دعوتي للمشاركة باعتباري كاتبة قصة قصيرة جدا، إذ نشرت سنة 2008 مجموعة قصصية قصيرة جدا بعنوان: "عندما يومض البرق".  

شاءت الصدف البحثة آنذاك، أن تجمعنا نفس مائدة الطعام. تجاذبنا أطراف الحديث، فإذا به يشيد بمجموعتي القصصية، ويخبرني أنه يدرس نماذج منها لطلبته بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس. كانت مفاجأتي عظيمة وفرحتي لا تسعها الدنيا. شدني بداية، التواضع الكبير الذي يتحلى به صاحب الاسم الرنان، وتعامله الراقي الذي لا يتعالى فيه على المبتدئين أمثالي، ولا يجد غضاضة في التعبير عن تقديره لأعمالهم وفي تشجعيهم على المضي قدما. وأسعدني اهتمامه بمجموعتي القصصية الحديثة الصدور، وتدرسيه لها في الجامعة. وكيف لا أفرح للقبول الذي حظيت به مجموعتي لدى هذه القامة النقدية الكبيرة المعروفة بعدم المجاملة والمحاباة؟ كيف لا أفرح وهذه المجموعة التي أهملتها سبع سنوات متهيبة نشرها ومتخوفة من عدم تقبل القراء لهذا النوع من القصة الذي لم يكن منتشرا آنذاك، تصل إلى الجامعة؟ قال لي بأنه أحب كثيرا قصة "الأرجوحة". من شدة فرحتي، أخترت هذه الأقصوصة لتكون أول نص أقرأه في فقرة القراءات القصصية، وأهديتها له.  

اللقاء الثاني كان بمناسبة انعقاد الندوة الوطنية حول: "الرواية: النص والصورة" التي نظمها فريق البحث في "السيميائيات البصرية"، ومختبر البحث في اللغة والأدب والتواصل بالكلية المتعددة التخصصات بتازة يومي 14 و15 دجنبر2011. شاركت في هذه الندوة بدعوة وتشجيع من صديقي الدكتور محمد مساعدي، بورقة نقدية بعنوان "صورة الأم في رواية لعبة النسيان لمحمد برادة". هذه الدراسة كتبتها سنة 1998 للمشاركة بها في إحدى حفلات تكريم أستاذي محمد برادة، ونشرتها في نفس السنة، بمجلة "عمان" بالأردن. لكني عندما وجدت نفسي مع عدد كبير من النقاد الأكاديميين البارزين أحسست بالحرج، ولتلافي هذا الحرج، وجدتني أعتذر مسبقا عما يمكن أن يكون من هفوات في هذه الدراسة العاشقة، فتوسلت بالمقولة المشهورة "داخل كل ناقد مبدع فاشل" لأضيف "وداخل كل مبدع ناقد فاشل". وكان العذر أكبر من زلة، لم أع فداحة الأمر إلا وأنا أرى الدكتور حميد لحمداني... لكن السيف كان قد سبق العذل...  عنفت نفسي بشدة. كيف لي أن أستعمل هذه المقولة المجحفة في حق النقاد المبدعين. أليس محمد برادة الذي تناولت روايته الشهيرة ناقدا وروائيا متميزا؟ ورواية "رحلة خارج الطريق السيار" أليست من أروع ما قرأت من الروايات؟ لعنت تلك الهفوة التي قد تفسد الود بيننا.  

غير أني فوجئت به يهنئني على مداخلتي التي كانت قد أثارت نقاشا ساخنا، غير آبه بتلك الهفوة... حينها اكتشفت خصلة التسامح وسعة الصدر التي يتحلى بها الدكتور حميد لحمداني، كما اكتشفت أنه من طينة المجبولين على الحب والعطاء، يغمر من يقترب منه بدف مشاعره... ذلك الدفء الذي قد لا تراه عينك، لكن روحك تلمسه كما يلمس المقرور دفء الشمس المتسللة إليه عبر كوة عالية. عندئذ، أدركت سبب الحب الكبير والتقدير العظيم الذي يكنه كل أصدقائي الأعزاء لأستاذهم المبجل.

اللقاء الثالث كان بمدينة فاس عندما شارك الدكتور حميد لحمداني في اليوم الدراسي الخاص بتجربتي الإبداعية الذي نظمته يوم 18 يناير 2014 جمعية الفنانين للثقافة والمسرح بتعاون مع المديرية الجهوية لوزارة الثقافة مع مجموعة من النقاد الأفاضل هم: د. رضوان الخياطي، د. محمد مساعدي، د. عبد الواحد لمرابط، د. عبد الرحيم وهابي، د. فتاح أبطاني، د. ادريس الذهبي. لم تسعني آنذاك، فرحة تشريفه لي بالمشاركة في هذا اليوم الدراسي حول أعمالي، وازدادت فرحتي عندما قدمني للجمهور، وأشاد بتجربتي السردية، وقال كلاما رائعا في حقي أخجلني... كان كرمه حاتميا في تقديمي للجمهور، ولم يكتف بهذا الكرم المعنوي الذي أغدقه علي، وإنما تجاوزه إلى الكرم المادي عندما دعاني أنا والدكتور عبد الواحد لمرابط إلى مأدبة عشاء في أحد أرقى مطاعم فاس. وكان هذا العشاء منسابة مهمة للتعرف أكثر فأكثر، على شخصيته الكاريزماتية وعمقه الإنساني النبيل، وعلى علاقة من أروع ما رأيت من العلاقات التي تربط الأستاذ بالطالب عندما تحل الزمالة محل الأستاذية.   

أما اللقاء الرابع، فكان في المهرجان الوطني للقصة القصيرة بمدينة خنيفرة في دروته الخامسة التي حملت اسمي والذي انعقد ما بين 5 و7 يونيو 2015. فقد حضر الدكتور لحمداني هذا التكريم، وكان سعيدا باحتفاء المهرجان بتجربتي الإبداعية، وهنأني بحرارة. 

في هذا المهرجان، اكتشفت جوانب أخرى من شخصيته ألا وهي الانضباط للوقت وحب التنظيم، وروح الإتقان وهي صفات أساسية لأصحاب المشاريع العظمى من طينته.  

هذه اللقاءات، رغم قلتها كانت غنية جدا، ومهمة جدا، ليس للتعرف على العمق الإنساني للدكتور حميد لحمداني وحسب، وإنما أيضا، لكونها منحتني طاقة قوية، وشجعتني على المضي قدما في الطريق الذي ارتأيته لنفسي، إذ ليس من السهل أن تقنع تجربة إبداعية ما قامة كبيرة جمعت بين النقد والإبداع وتألقت فيهما معا.  

أستاذي العزيز الدكتور حميد لحمداني، ما حضرت هذا اليوم، إلا لأعبر لك عن محبتي وتقديري العميقين، ولأقول لك بأن كل ما قمت به في سبيل تجربتي الإبداعية، وما قلته في حقي من كلمات مشجعة لا يزال محفورا في أعماقي... وسيبقى تقديرك لتجربتي المتواضعة وساما على صدري يحثني على المضي قدما وبخطى ثابتة، في نفس الطريق الذي باركته منذ البداية.

ومن أعماق قلبي أهنئك بهذا التكريم الذي أنت أهل له ولأكثر منه، لما أغنيت به المكتبة المغربية والعربية من مؤلفات عديدة وقيمة، ولما تخرج على يديك من أجيال من النقاد الوازنين الذين اقتدوا بك، وسعوا ليكونوا في مستوى ما قدمته لهم. ويكفيني ذكر أصدقائي الأعزاء الحاضرين: د. محمد مساعدي، د. عبد الواحد لمرابط و د. عبد الرحمان التمارة. 

أدام الله عليك نعمة الصحة والسعادة، وأطال في عمرك لتغني المكتبات المغربية والعربية بالمزيد من الأعمال الوازنة نقدا وإبداعا وترجمة.

 وكل عيد حب، وأنت متألق بحب طلبتك وزملائك وقرائك في كل مكان.   

ألقيت هذه الشهادة في حفل تكريم الدكتور حميد لحمداني في المؤتمر الدولي الأول حول "الترجمة وأنماط النصوص" بمراكش يوم 14 فبراير 2019.  



مقالات دات صلة

التعليقات