نوتة موسيقية مع جمال الدين بنحدو : ناس الغيوان وفن «صرخة الحياة»

نوتة موسيقية مع جمال الدين بنحدو : ناس الغيوان وفن «صرخة الحياة»

نوتة موسيقية مع جمال الدين بنحدو : ناس الغيوان وفن «صرخة الحياة»



آربريس ـ من باب تحصيل الحاصل  التعريف بناس الغيوان ، فقد أضحت جزءا من السجل الفني الأصيل للمغاربة ،وتعتبر الفرقة الأكثر حظا من حيث التوثيق والدراسة .ولكن اقتضى نظري أن  اتقاسم مع القراء مع اختزنته ذاكرتي حول هذه المجموعة  الفنية الأصيلة،  التي تكونت من  فنانين كبار  خبروا المسرح وكل أنواع الفرجة  في المسرخ العاوي وفي المدرسة الكبيرة ، مسرح الناس للفنان الكبير المتألق المرحوم الطيب الصديقي . 

كان لمسرح الصديقي دور الملهم لتأسيس ناس الغيوان  المكونة من مسرحيين اهتموا بالغناء المسرحي الذي كان آنذاك يقتفي مسرح الساحة المغربية و الذي يسمى بـ الحلقة حيث يكون الفنان فيه حاكيا و ممثلا و عازفا و مغنيا و راقصا أي متعدد الهوايات يعتمد على إمكانيته الخاصة و الذاتية متوجها إلى جمهور غير متجانس من حيث الأعمار و لا الثقافات و لا الأجناس يحيط به من كل جانب أي  يكسر البعد الرابع لا مجال للحدود  بين  الخشبة و الجمهور .

نهل افراد ناس الغيوان " تغيوانيت" من مسرح الصديقي  الذي يلتقي مع تنشئتهم الاجتماعية  ورافدهم الثقافية حيث  يجسد الثقافة المغربية الصرفة .

الصديفي نقل  المسرح المغربي إلى العالمية والحداثة  في مقاربة توفقية مع الأصالة جعلته مسرحا  متوهجا  مستعينا  بشباب كانوا يحسنون الغناء ليشتغلوا معه على أعمال كبيرة كان من أهمها مسرحية " الحراز " المستوحاة من قصيدة الملحون الحراز و معناها هو ذاك الشخص الذي يحرز أن يمنع الشخص من ملاقاة حبيبته، و الحراز هو غرض شعري ناجح كتب فيه جميع شعراء الملحون حيث كل واحد له " حراريزه  "كما يقولون و كل حراز له قصته المتميزة التي قد تختلف حيث المكان و الزمان. فمثلا حراز بن علي ........ على فترة القرن 17 ـ 18 و حرازي أنا العبد الضعيف ان شئتم تتحدث عن حراز السيد العامل.

استطاعت مجموعة  ناس الغيوان  بفضل اصالة فنها أن تصمد عقودا وتستمر وتخيب رهان من اعتبرها موجة عابرة . أخرجت المتلقي المغربي من الزاوية التي حوصر فيها كرها،  زاوية تلقي فنه الغنائي  و الموسيقي  من مصر.فأعطت المجموعة الدليل للمشارقة على أن في المغرب نبوغ وعبقرية . 

قبل ان  تكون الغيوان ، كنا نستمتع بأداء المرحومين  بوجميع و عمرالسيد  أيقونة الغيوان والحافظ على لحمتها واستمرايتها ، وباداء الفنان الكبير مولاي عبد العزيز الطاهري في المسرح .

كنا نسمتع  بمسرحية " سيدي قدور المكي " التي لاقت نفس النجاح مع الشرايبي رحمه الله المخرج المسرحي الكبير و فرقة الوفاء المراكشية. 

نعم لقد وجد الجمهور المغربي نفسه و كيانه في هذا النوع من المسرح  و كان كلما سمع اهزيجا أو طقطوقة أو فقرة من قصيدة ملحونية إلا اهتز لها و طالب بشدة و حرارة أن تعاد الفقرة.

هنا بدات ارهاصات الفكرة الغيوانية   عندما  نصح  الكبير الفنان المرحوم الصديفي  بأن تؤدي تلك الطقطوقات و تبدع أغاني جديدة على نفس المنوال و تأخذ اسمها من تلك الفرق العريقة الصوفية المتجولة و هو الغيوان و جيلالة و هداوة و حمادشة و بهالة.... و لكن تأخذ مشكلا عصريا حداثيا على منوال بينكفلويد، و البيتلز، و تنغمس إيديولوجية العصر آنذاك و هي الهيبيزم، و ما كان يثير غرابة الصحافة العالمية هو أن تلك الفرقة الغربية تنتقل عبر العالم بطائرات من المعدات أما فرقتنا " ناس الغيوان " فتنتقل بآلات تراثية خفيفة مندسة في حقائب السفر.

ناس الغيوان التي كانت أولى شهرتها بالدار البيضاء حيث غنت قطتي الصغيرة و اسمها نميرة و هي كلمات شعرية للأطفال كانت معروفة لذا جيل المرحلة، و هي جاءت بها لتكسير الروتين الذي أحدثته الكلمات الشرقية و التي كان لا هم لها إلا التغني بالحب ثم قصيدة الصينية التي توحي بمشهد البراد و الكيسان و الجلسة المغربية الأصيلة، إلا أنها كلمات تبقى رمزية تحمل أكثر من معنى. و بما أن الجمهور المغربي الذي كان يجد نفسه في فنون العيطة و الشعبي و,,إكتشف مع ناس الغيوان فنا استطيع أن أجد له خانة جديدة وبالتالي أسميه بفن الصرخة " صرخة الحياة " وليس صراه أشباه الفنانين ، فهي عبارة عن غناء من نوع صارخ من حيث شكل الأصوات و لكن أيضا صارخا في وجه المعتاد و المتعارف عليه فكلماته لها واقعية اجتماعية و سياسية، وعاء ثراثي أصيل أما ألحانه فهي نابعة من الثقافة الموسيقية الفطرية الشعبية التي أبدعها الجد و الجدة و تندرج في ما يصطلح عليه بالسهل الممتنع كما أنهم اعتمدوا آلات إيقاعية مغربية حيث أعادوا لها اعتبارها و مكانتها في الانتشار ك الدعدوع و هو أكبر شكل للتعريجة و الذي كان يعزف عليه الصوفية من هداوة و حمادشة... و كان يوحي بالاتزان و الوقار لأنه يحمل من طرف الصوفي الشاعر الذي لا يتفوه الا بالحكمة و الكلام الرصين الدي لا يجادل فيه اثنين.

ثم آلة "البندير" و "الطبيلة" التي تتكون من وعاء كبير للصوت الغليظ و وعاء صغير للصوت الرقيق، و هي آلة كانت خاصة بالجدات اللواتي كان يعزفن عليها في المناسبات و هن قاعدات محتفيات بالنسوة اللواتي كن يصاحبنها في الغرف على الهرارز و التعارج... لكن العربي باطما رحمه الله أعطاها شخصيته الوازنة و جعل منها آلة غيوانية بامتياز. ثم تأتي الآلة الموسيقة و الإيقاعية في نفس الوقت و هي الآلة العريقة و التي لها جدور افريقية تسمى عند المعلمين بالسنتير و خطا بالهجهوج و التي أحياها الفنان الكبير عبد العزيز الطاهري ثم المعلم باكو رحمه الله الكناوي الانتماء ثم آلة البانجو و التي لم تكن مغربية بل من أصول أمريكية لكنها عوضت عند الشيخ علال عازف ناس الغيوان صوت الڭنبري و ذلك لما توفر من دقة و حداقة و ضبط للعازف ناس الغيوان عرفت نجاحا منقطع النظير نظرا للعوامل السابق ذكرها و كذلك للعامل الاجتماعي السياسي الذي عرفه المغرب في السبعينات و بداية الثمانينات حيث كان للفكر الاشتراكي و الشيوعي بريقا يوحي بامتلاكه حل التغيير و التقدم.

لم تعد فرقة ناس الغيوان فرقة غنائية فحسب بل أصبحت نوعا من أنواع الغناء المغربي الصرف و مذهبا و منهجا تحدو حدوه المجموعات التي جاءت بعدها، شكلا يمارسه التلاميذ و الطلبة بشتى أصنافهم.

بل إن " ناس الغيوان " دخلت تاريخ الموسيقى المغربي من أبوابه الواسعة. و أصبح أي مغربي مغربي مولوعا و حافظا لأغانيها التي بلغت العالمية و تغني بها الفنانون و غيرهم في جميع بقاع العالم, و غنيو معايا : الله يا مولانا حالي ما يخفاك يا الواحد ربي...

   *جمال بنحدو فنان وموسيقي .  

    ملحوظة : كل حقوق الطبع والنسخ محفوظة للفنان ولمجلة آربريس وكل نسخ يعرض صاحبه للمتابعة القانونية .  






مقالات دات صلة

التعليقات