نوتة موسيقية مع جمال الدين بنحدو : الموسيقى الأندلسية .. امتداد تاريخي وعمق حضاري

نوتة موسيقية مع جمال الدين بنحدو : الموسيقى الأندلسية .. امتداد تاريخي وعمق حضاري

نوتة موسيقية مع جمال الدين بنحدو : الموسيقى الأندلسية .. امتداد تاريخي وعمق حضاري




آربريس ـ جمال الدين بنحدو: إن تنقل المجموعات البشرية من منطقة لأخرى بدافع الكوارث الطبيعية و تدافع المصالح الاستراتيجية عبر الحروب تجعل من الحضارة و الثقافة و اللغات أن تنتقل هي أيضا و تتفاعل مع جهات جغرافية جديدة. و الموسيقى و آلاتها لا يمكن استثناؤها من هذه القاعدة. و خير مثال على ذلك هو تنقل الثقافة الأندلسية بجميع مكوناتها من الجزيرة الإيبيرية إلى عدوة المغرب الأقصى و ذلك عند خروج آخر ملوكها و هو أبو عبد الله محمد الثاني عشر الذي أضاع مفاتيح الحمراء غرناطة سنة 1492. و كان من أبرز مميزات هذه الثقافة التي شارك في ابداعها المكونات العرقية و الدينية الثلاث : المسلمون عرب و أمازيغ و اليهود و المسيحيون هي الموسيقى التي تسمى حاليا بالموسيقى الأندلسية نسبة إلى الأندلس. و هذه التسمية هي ما أطلقه عليها الصحافيون و بعض المهتمين أواخر القرن العشرين ليميزوها عن باقي الموسيقات المغربية العديدة و المتنوعة. لكنها عرفت لذا ممارسيها الفنانين و محبيها المتيمين  بتسمية (الآلة) أي طرب الآلة.

و ذلك لأنها تستوعب تقريبا جميع آلات العزف الموسيقية سواء كانت ذات مرجعية عربية أم غربية. و ذلك لأن مبدعيها الأوائل عمدوا إلى تحويل أنغامها العربية الأصيلة ذات الربع مقام كما يصطلح عليه 3/4 إلى أنغام خالية من هذا المكون المميز للموسيقى العربية و جعلها تعتمد أنغاما تشبه الأنغام اليونانية و خالية من ربع المقام بتاتا. وذلك حتى تستسيغها جميع الآذان العربية و العجمية، و لا يخفى على الجميع أن مبتكرها و مبدعها الأول حسب جميع المؤرخين بامتياز  هو الفنان العبقري عازف العود أبو الحسن علي بن نافع الموصلي العراقي " زرياب " الذي كان تلميذا لاسحاق الموصلي حيث قدمه هذا الأخير للملك هارون الرشيد آنذاك و اعجب به كثيرا فما كان من استاذه إلا أن يطرده من بلاد العراق، لكنه استقبل استقبال الأبطال بالأندلس وو ضعت مدرسة تعليم الموسيقى وفن العيش (فن الحلاقة و التزيين و فن الطهي...) رهن إشارته. نعم، لفهم مميزات و خصائص هذه الموسيقى لابد من الرجوع إلى هذه المرحلة التاريخية التي عرفت فيها الثقافة العربية الإسلامية نضجا عالمي كونيا منقطع النضير.

إن طرب الآلة أو الموسيقى الأندلسية تتكون من عدة نوبات أي نغمات و " النوبة " هي كلمة أو تسمية أندلسية مغربية ترجمت كلمة " الدور " في الثقافة الموسيقية الشرقية العراقية : حيث كان يجلس عددا كبيرا من العازفين الموسيقيين أمام الخليفة و يأخذ كل واحد دوره أو نوبته و كان الموسيقيون أذكياء من فطرتهم حيث ليتميز أحد عن الآخر يعزف في نغمة أو مقام مغاير لمن سبقه في العزف و يؤدي بذلك عالما موسيقيا مغايرا. نعم أن النوبة الأندلسية تعني مقاما موسيقيا تتخلله عدة صنائع أي عدة ألحان في نفس جنس النوبة تحمل مجموعات من أشعار تقتطف من عدة قصائد حتى تحافظ و تحمي الصنعة الموسيقية أو اللحن الموسيقي، لان حفظ الاشعاربلحنها سمعيا سمعيا يحفظ الصنعة الموسيقية و الشغل اللحني، أما استعما أسماء كالشغل و الصنعة.. يرجع لكون أغلب العاملين و المحبين لهذه الموسيقى كانوا من الحرفيين والصناع التقليديين.الا أن فرسانها أي شيوخها الحفاظ اعتبروا من العلماء الأجلاء و أحيطوا بالاحترام و التقدير اللائق بهم و أذكر منهم البريهي عبد الكريم الرايس محمد الوكيلي التمتماني و شقارة بنيس ماصانو...

أما العرض الموسيقي للآلة أو الموسيقى الأندلسية لا يمكن تسميته ب "الأغنية" بل " ليديدة " حسب أهل فاس طريح و وجبة بالنسبة لمناطق أخرى وذلك لأنه عرض موسيقي غنائي قد يستمر إلى ثلاث ساعات أو يزيد يتحكم فيه " النفاق " أي المايسترو الذي يقوم باختيار النوبة و الصنائع الصالحة للعرض حسب نوعية المناسبة و نوعية الحضور كذلك. 

أما من حيث اللباس الذي هو حتما لباس مغربية تقليدي لأن هذه ليست موسيقى فحسب بل هي موروث ثقافي أندلسي مغربي جعل منه الأجداد الأوائل مكون مندمج و منسجم مع الإطار الثقافي الديني الحضاري بصفة عامة.

أما من حيث الأداء الفني فالموسيقى الأندلسية فهي غناء جماعي يمكن أن يجمع الأصوات النسوية و كذلك الرجالية لأن أغلبها يعزف على المقام الري مع اعطاء الفرصة لصوت جميل ليؤي البيتين أي الموال أو الكرسي، أما الأشعار فهي تبقى ثانوية منتقاة من هنا و هناك أي انها لا تتوفر على وحدوية الموضوع التي تعرفها أجناس موسيقية أخرى كالملحون أو سواه و هي عامة تخوض في ذكر الله و مدح رسوله و في الحب و وصف الجمال بأنواعه. فطرب الالة  يعتمد اللحن الموسيقي والعزف أما الكلمات والأشعار فهي مصاحبة فقط و للاستئناس.

فعلا لقد حافظ الإنسان المغربي المحافظ بطبعه على هذا المكون الموسيقي العريق و ذلك من القرن 15 إلا أن للزمن و الممارسة و طريقة انتقالها عبر الأجيال و هي طريقة سمعية بامتياز حكمها حيث عرفت تراجعا من حيث عدد النوبات الذي كان حسب المؤرخين يفوق 24 و لم يبقى منها حاليا إلا 11نوبة وهي

رمل الماية، الماية، الرصد،  رصد الذيل. نوبة الحجاز الكبير، الحجاز المشرقي، عراق العجم، .نوبة الأصبهان، العشاق، الإستهلا ونوبة غريبة الحسين.

أما من بين النوبات الضائعة نذكر:نوبة الزوركند، نوبة الحجاز المتوسط،نوبة الحجاز الصغير، نوبة الغريبة المحررة و نوبة عراق العرب.

 أما من حيث الميزان أو الإيقاعات فهناك 5 وهي

 البسي، البطايح، القائم ونصف، القدام والدرج.

إحداهم اخترع بعدوة المغرب أي بعد نهاية دولة الأندلس و هو الدرج و أيضا تغييرات على مستوى الشعر مثلا كلمات نوبة رمل الماية استبدلت من كلمات في الحب و الغرام إلى كلمات في مدح الرسول محمد (ص(

لهذا كله لا يجب بأي حال من الأحوال تشبيهها بموسيقى الغرناطي مثلا والتي تعود إلى المدينة التي أخذت عنها إسمها و هي مدينة غرناطة و ذلك لأن موسيقى الغرناطي تعتمد إلى جانب الغناء الجماعي الغناء الفردي بامتياز و الذي يتميز بالإتقان للموال الغرناطي الذي له سبغته التي تميزه عن باقي المواويل العربية و المغربية الأخرى و يطلق عليه دويه بالشڭوري، و عدا ذلك أي من حيث الأوزان و الأنغام و الآلات و اللباس فهناك تشابه و تماثل لأنهما ينتميان لنفس الثقافة الموسيقية و هي الموسيقى الأندلسية المغربية.

   *جمال بنحدو فنان وموسيقي .  

    ملحوظة : كل حقوق الطبع والنسخ محفوظة للفنان ولمجلة آربريس وكل نسخ يعرض صاحبه للمتابعة القانونية .  



مقالات دات صلة

التعليقات