الممارسة التشكيلية لكونباس، بلنشار، وبوازرون "للتشخيص الحر"، رد فعل على التمظهرات الاجتماعية السائدة

الممارسة التشكيلية لكونباس، بلنشار، وبوازرون "للتشخيص الحر"، رد فعل على التمظهرات الاجتماعية السائدة

الممارسة التشكيلية لكونباس، بلنشار، وبوازرون "للتشخيص الحر"، رد فعل على التمظهرات الاجتماعية السائدة



  آربريس ـ تونس ـ د. مها المكشر:  ظهرت التشخيصيّة الحرّة سنة 1981 في فرنسا، باستناد إلى مرجعيّة الثقافة الشعبيّة، تميّزت بتمشّي حرّ، يحمل خلفيّة السخريّة والتهكم من التاريخي والقواعد الجامدة، لتتقاطع مع أفكار الحركة الدّادائية، تخفي موقفا ينحاز إلى اللامتوقّع، وينبئ باحتمال الاختلاف، وغرابة التصوّرات. وأرى البعض "لقد تأكدت التشخيصية الحرّة حدثا اجتماعيّا ردّ فعل تأثرا بمرحلة الفنّ المفهومي والمصغّر في السبعينات، التي مثلت عائقا للفنّانين لسنوات طويلة....". 

قدّم رواد هذه الحركة إثراء للحقل الفنّي بطرقهم الخاصّة، التي تميّزت بالاشتغال على محامل متنوّعة وحرّة: مثل المعلّقات الإشهاريّة والعلب الكرتونيّة وصفائح قديمة وأقمشة مختلفة. كما قاموا بأعمال فنيّة ضخمة، واتخذوا من الأرض والجدران والأسقف وأقمشة ذات مقاسات كبيرة محامل لأعمالهم، تعبيرا عن الحريّة والفعل المباشر بملامسة مواد مختلفة غير معهودة، وجعلها فاعلة في رسم أهداف تشكيليّة.

ومن أهمّ باحثي هذه الحركة: "روبار كونبا "Robert Combas و"ريمي بلانشار" Rémi Blanchar، و"فرنسوا بوازرون" Francois Boisrond، الذين جعلوا مخاطبة المشاهد هدفا لأعمـالهم: " تعال إذا لتتكلّم معي (...) أريد أن أروي لك السذاجة، العنف، الجمال، الحبّ، الجدّي والهزلي، المنطقي والعبثي، كلّ ما يحوط حياتنا اليوميّة"، لقد نهجو هذا المنحى نتيجة لتأثّرهم بالإشهار وفنّ الروك  والصور المتحرّكة  وصور الإعلانات وما هو شعبي ومتداول في تلك الفترة وكما يقول بيار أليشنسكي: " يتمثل الفنّ من الغوص عميقا في غور الأرض، في عباب الماء، في حمأة النار وفي طلق الهواء".

تطالعنا أعمالهم على تفرّد منفصل عن القواعد الجامدة، التي انقلبوا عليها لإفساح المجال لتصوير مشاهد طريفة مبتكرة وغريبة نوعا ما، ليمتدّ هذا التيّار مبتعدا كليّا عن الواقع، إلى تشخيصيّة وهميّة.

أوجدت التشخيصيّة الحرّة أشكالا تعبيريّة ثورية تربك المشاهد مثل توظيف الكلمات والرموز والحروف، عناصر تشكيليّة تساهم في هيكلة الفضاء، إذ تعتبر أحد أوجه التعاملات اليوميّة، ممّا أدى إلى تميّز مفهوم التشخيصيّة بالتجديد في اختيار المواضيع والمنطلقات، والبحث عن الخصوصيّة بمفردات تشكيليّة، تكوّن جدليّة الحوار المفتوح بين العلامة والرمز، تعبيرا عن هواجس متّصلة برغبات دفينة، والارتقاء بها إلى مستوى التشكيل في أفق يطرح التساؤل، بنظرة متفرّدة وأسلوب تعبيري خاصّ.

  1 ـ مظاهر التشخيصية الحرة ومرجعياتها:   

اختلفت المرجعيات الفنيّة في التقنيّة وفي الموضوع، والتقت لفتح المجال لإمكانيّة التقاء تقنيات مختلفة بطرق عمل مستجدّة، يفرضها الواقع المتطوّر في نسق مستمرّ، وولدتها ضرورة التحدّي للأساليب التقليديّة والتنكّر للشكل الفنّي الواحد، في إطار مساءلة يخاطر فيها الفنّان التشكيلي ويجازف بموروث بأكمله، ليعيش معنى اللحظة الإبداعية ومفهوم التحرّر والمواجهة التي التقى في انتهاجها رواد التشخيصيّة الحرّة، كمبادئ متّفق عليها. 

ومن أهمّ ما يمكن أن أتوقف عنده، هو تجربة الفنّان "روبار كونبا" الذي سجّل وجوده على الساحة الفنيّة منذ سنة 1979، وأوّل من طرق باب التشخيصيّة الحرّة، باقتراح مواضيع تمحورت حول قضايا المجتمع: العنف، الجنس، إظطهاد الإنسان...

كما استند إلى مرجعيّة فنّ الروك، الإعلانات وكل ما يتعلّق بالثقافة الشعبيّة، لأنه أراد أن يترجم حريّته بشتّى الوسائل من خلال أعماله: "أنا حرّ، حرّ تماما حتّى بالقياسات". ويرى أن التشخيص في أعماله، هو "الجانب المسلّي: قدم على الأرض، في البداية هي ردّة فعل ساخرة وتهكميّة تجاه الرسم الذي يستند إلى الذاكرة المقنّنة في الوسط الفنّي الرّاجع إلى السبعينات".  ويضيف "إنّي أنحدر من بيئة شعبيّة"، فهو أراد أن ينزل إلى الواقع ليصوّر بأسلوبه الخاصّ مفاهيم حديثة، ومن خلالها يبحث عن التجديد بأفكار متأتّية من اليومي والعادي، كردّة فعل تجاه الفنّ المفهومي ومجموعة محامل/سطوح: أراد التحرّر من القيود الأكاديميّة والمعهودة (الحامل، الموضوع، المشهد...) لتأخذ أعماله صبغة الخصوصيّة والتفرّد، الذي اختار أن تكون حول المشاهد اليوميّة، الصور الإشهاريّة والإعلاميّة، غاية "البحث عن الإحساس، الإحساس هو الإيقاع، هو المصارع المجنون في الأدغال والرّقصات..." ، هذا ما أراد أن يبرزه "كونبا" في عمله "بارلانيا": يظهر من خلاله تأثره بالخطّ ، والبيئة المتوسّطيّة، التي يعتبرها قريبة جدّا من بيئته وأسلوبه الفنّي. 

توجّهت أعماله نحو نمط خاصّ تميّز بالجنون والهستيريا، والاستهزاء وتجاوز التاريخ، في إطار البحث عن التجديد المستمرّ، في خلفيّة مليئة بالنقد والسخرية والتهكّم، يترجم إحساسه بالواقع المعيش. ومن خلالها، يتبيّن ميوله إلى تصوير العنف والقتال، فهو يعتبر أن"موضوع المعارك ثريّ، ويمكن استغلاله بكيفيات مختلقة: يضمّ جانب العنف، النقل الذي أحبّه بنفس تعبيري متلوّن()"ويرى أنّ "الحرب عنيفة جدّا، دوما يوجد من يريد أن يحاربك، يتجاوزك ويتوق لقتلك، نقاتل دائما ضدّ شخص ما، اليهود ضدّ العرب،

 الميكروبات ضدّ الأطباء، النساء ضدّ الرجال...".

تميّزت أفكاره بالتحرّر والتنويع في مواد وتقنيات العمل: ( الرسم، النحت، الحفر، التقنيات المزدوجة)، وأراد بهذا التغيير أن ينشد الحرّية بتجاوز إطار التقنيّة الواحدة، والخروج بها عن المألوف.

إلى جانب المنحى الرمزي في أعماله، اهتمّ بالعنصر التشكيلي: كتكرار الخطوط المتنوّعة والعفويّة، استغلال أكثر ما يمكن من الفضاء، تفاعل الخطّ مع المساحة اللّونية، وتوظيف الكتابة لتكون جزءا من التركيبة، كمحاولة جريئة تندرج ضمن عنصر التجديد.

وظّف مرجعيّة الصور المتحرّكة في أعماله بطريقة خاصّة: "منذ الصغر أرسم الصور المتحرّكة بطريقة شرسة جدّا"، شخوص في هيئة هجوم، مخلوقات غريبة لها أفواه كبيرة ومسنّنة، يقدّم لنا من خلالها دعوة للإبصار بطريقة مختلفة تنتفي الإستتباعات الواقعيّة فتغدو تعبيرا في نظام مغاير، تدفعنا نحو تتبّع مختلف الإشارات وما تستبطنه من مواقف وجوانب إيحائيّة. 

يتوافق منهج التشخيصيّة الحرّة مع الإطار المعيشي واليومي، وهذا ما حاول أن يبرزه "روبار كونبا" وجماعته، بأسلوب يقترب من الدّادائيين في البحث عن اللامعقول واللامنطقي وتجاوز المعهود، في الموضوع والتقنيات والحوامل، والبحث عن البديل لإثارة قضايا متعلقة بالواقع اليومي، غاية التهكّم والسخريّة. وفي هذا الصدد تقول"كاترين ميي": "باختصار، ما يلفت النظر، أنّها نادرة نوعا ما غريبة، ونوعا ما مجنونة ".

في نفس المسار تطالعنا تجربة "ريمي بلانشار" Rémi Blanchard، الذي ساهم في ظهور التشخيصيّة الحرّة بطريقته الخاصّة، واختار أن يقدّمها كفنّ خطّي يشبه الجرافيتي "Graffiti" بإدماج الحروف والكلمات.

عايش فترة الانقلاب، باكتشاف تعبيرية تشخيصيّة ساذجة وتلقائيّة مرجعياتها الثقافة الشعبيّة، (الصور المتحركة والفنّ الخامّ)، بأساليب وتقنيات تطبع بصمته الخاصّة، التي اتسمت برؤية شاعريّة كئيبة وخياليّة تجاه الإنسان والحيوان، ترجمها بتعابير خطيّة مختلفة كما يظهر في أعماله.

في هذا الصدد يقول "فرونسوا بوازرون" Boisrand François: "لا تسعى أن تكون رسوماتي ذكيّة(...)، الضعف له معنى في الأعمال الفنيّة وليس بالضرورة القدرة على التمكّن. أشعر بالرومانسية، أعني القبول بالجروح وأظن أنّ هذا الضعف يندرج ضمن طبيعة رسوماتي، أشعر بالعزلة، ليس جهادا وليس احترافا ولكن تفرّدا وأؤمن بذلك". 

تطرّق إلى إعادة تمثيل الحياة اليوميّة، المناظر الطبيعيّة، الصور الشخصيّة بطريقة متفرّدة وبتمازج اللّون مع الخطّ، كما اهتمّ بالجانب الرمزي في أعماله التي اقترحها. 

تجاوز "هارفي ديروزا" المحامل المعهودة واشتغل على جدران قاعات العروض والمطاعم، اهتم بتصوير حياة الفقراء اليوميّة، الديكور، إكسسوارات المسرح، والملابس.

تأثّر بتجربة "ريشار دي روزا" Richard di Rosa، الذي حاول خلق عالمه الخاصّ بالألوان والأشكال الدائريّة البسيطة، وشخوص تعود مرجعيّتها إلى الثقافة الإفريقيّة، الموسيقى والحيوانات وتميّز بالاختزال في التفاصيل: "كلّ شيء أعبّر عنه باختزال". 

جرّد الأجسام إلى أشكال بسيطة، وحوّل الأشخاص إلى منحوتات بأسلوبه الخاصّ الذي يتراوح بين الواقع والخيال، وفي هذا الإطار يقول الفنّان: "مصادر إلهامي استقيها من الناس، من الحياة اليوميّة، من عالمي الخيالي و من لقاءاتي". 

تعدّ الأعمال التي تعنون التشخيصيّة الحرّة، تمظهرا لأشكال تعبيريّة جديدة، تقوم أساسا على إمكانيّة ازدواجية التقنيات وتجاوز المعهود، بإضافة عناصر دخيلة وغريبة والجرأة على تخطّي القوانين المعمول بها، وابتكار تقنيات تعبير تشكيلية بديلة متجدّدة.

2 -نشأة التَّشخيص الحرّ بين مفهوم الخرق في الفن التشكيلي والهواجس الرمزيَة: 

فقد تخطَّى فنَّانو الحركة كلّ علاقة تجمعهم بمبادئ التَّشخيصيَّة الكلاسيكيَّة، وقدموا أسلوب خاصّ ينطبع بإطلاق العنان للتَّعبير العفوي والتّلقائي من ناحية، و يتَّجه نحو ضبط الفعل و بنائيّة التَّكوين من ناحية أخرى . من مميزاتها التَّأطير والتَّقسيم الغير منظّم، للقطات منفصلة ومختلفة من حيث الموضوع ، ( وجوه ضاحكة ساخرة، أقنعة، حيوانات، تعابير خطيَّة....) بألوان صارخة وجريئة : كما يظهر في الأعمال التي انتقيتها، والتي تقارب أهم المواضيع والخصائص التعبيرية للتشخيصية الحرَّة.

تواصل إبداع دي روزا Di Rosa باقتحامه الفضاء الافتراضي مؤخرا، لمقاربة عالمه الخاص المستوحى من الصور المتحركة. حيث بدأ أعماله الرقمية عبر الحاسوب ثم طباعتها وعرضها مند سنة 2010، وهذا ما يظهر في أعماله الذي بحث فيها في تكرار وحدة شبه مختلفة، متراصة ومتجاورة وبإضافة جزئيات ساهمت في تبدل ملامح المفردة و التي قدم فيها صور لشخوص لخصَها في شكل أجوه ملامحها غريبة ومعبَرة عن موقف ساخر بهيئات متغيَرة، ترجم لنا من خلالها هواجسه الذاتيَة والغريبة.

باستقراء أعمالهم، أحاول ضبط عدَّة معاني تنحصر بين بنائيَّة الفضاء والخطوط والألوان التي تكوّن رؤية داخليَّة قد تكون غير مستقرَّة، تتأرجح بين النَّقد والسّخرية والاستهزاء.

هذا الوضوح وهذه الجرأة في التَّعبير، رافقها حجب وإخفاء لتفاصيل تتراوح بين الرمز والإيحاء.

انخرطت أعمال كلّ من "كونباس" Combas، ريمي بلانشار " Rimi blanchard " وغيرهم، بخصوصيَّة التَّشخيص المشحون بنوع من الجدَّة التّي تتمثَّل في حريَّة إعادة تقديم الشّخوص بتصوير وجوه ومخلوقات غريبة في الشَّكل واللَّون لتخترق سطحيَّة التَّشخيص الأكاديمي بكلّ اندفاع، وتبعثر كلّ القوانين المعهودة فتجاوزها نحو أهداف أعمق بحسّ نقدي مشتّت بين التَّشخيص والتَّجريد. 

إن هذا التَّمرّد على كلّ ماهو سائد وثابت، امتدّ إلى الخروج من المساحات الصَّغيرة والامتداد إلى الجداريات والمحامل الكبيرة، علَّها بذلك تطلق شحنه تعبيريَّة أكثر انفتاحا، ويتَّسع مجال الفعل العفويّ  ليفعّل تمظهرات الحريَّة في التَّشخيص الرمزي. وتتحوَّل من 

كان الهدف من هذه الحركة الشبابيَّة، إحداث بلبلة وإرباك لمفهوم التَّشخيص التَّقليدي، ويعتبر "كونباس" وأعماله أهمّ ركيزة لذلك : فقد جعل من أعماله علامات ذاتيَّة يقدّمها للمشاهد كأسلوب لردّ الفعل على التمظهرات الاجتماعية  السَّائدة، واحتجاجا ضدّ أسس يوميَّة معاصرة. باعتماد السخريَّة والتهكّم تجاهها، وغيرها من أساليب التَّعبير، لتتصدَّر أعمالهم تحت شعار مقاومة صريحة ضدّ المجتمع المعاصر.  




مقالات دات صلة

التعليقات