الفنان الهولندي موندريان.. العلاقة بين التجريد و الفنون الإسلامية 2/2

الفنان الهولندي موندريان.. العلاقة بين التجريد و الفنون الإسلامية 2/2

الفنان الهولندي موندريان.. العلاقة بين التجريد و الفنون الإسلامية 2/2

 باريس ـ  عبد الرازق عكاشة  

يظل الالتباس عزيزي القارئ، عزيزتي الفنانة، كل المبدعين الأفاضل. بين الفن الإسلامي كتجريد و بين محاولات المقارنة للتجريدين الأوروبيين و الاثر الإسلامي، و تظل هذه المساحة تسيطر على العقل النقدي لبعض النقاد المحاصرين في محاولات إثبات انتساب كل ما هو حداثي الي التاريخ القديم دون مرعاة او تحليل استمرارية الحوار الانساني و منهجية التطور الاجتماعي و الإبداعي بحكم تطور المكان : الجغرافيا و التاريخ. 

في الحلقة الجزء الأول من هذا الموضوع طرح الفنان و الانسان د. أحمد البغدادي عدة أسئلة مهمة جدا..كالتالي؛ «عزيزي عكاشة. من الثابت ان ارتباط الفن بالدِّين هو ارتباط ملتصق بما هو مُقدم خلال كل حقبة تاريخية. كما ذكرت انت يا فنان فيما يخص الفن الاسلامي. لان طبيعة الحقبة يظهر بها اثر الديانة من رموز و مفردات مختلفة ترتبط بالدِّين سواء من الفرعوني او الإغريقي او الروماني او القبطي مرورا بالإسلامي و حتي فنون بلاد النهرين، لم تخلو من الاعتقاد الديني و هذا ماجعل كل حقبة ترتبط بمسماها في تاريخ الفنون. و هذه المسميات عالمية. حيث تُدرس بأسمائها الحالية في جميع مؤسسات التعليم بجامعات ومعاهد الفنون العالمية علي مستوي العالم منذ نشأتها الأولي. فأصبحت تُدرس بوضعها الحالي و متعارف عليها اكاديميا بهذه المسميات حتي و لو كان يشوبها خطأ او نقد في مسماها فقد ثبتت و لا احد يستطيع تغييرها. اما عن المقال فهو اكثر من رائع اذ يطرح قضايا هامة تعمل علي افراز الكثير من التفكير الإبداعي و إعمال العقل فيما يقدم و يعيد منظومة التفكير.، فيما مضي و ما سيكون. كل الشكر و التقدير علي هذا المجهود الواضح و الجاد يا فنان "" نهاية تعليق د. البغدادي. 

محاولة فك الالتباس في تعليق صغير اعلم ان لدية الكثير مازال لم يطرح للان.

اعود الي موندريان ، طالب الرسم في مدرسة الفنون الجميلة بأمستردام. و التي تخرّج منها ثم عمل مدرّسا للفنون و منظرا للحداثة حين ظل يسأل نفسة كثيرا في بداياته، هل الطبيعية أسلوب ،، ام رغبة في تعلم الطيران عبر ارض راسخة ثابتة كقاعدة لفضاء الممكن و المستحيل . ثم بات حائرا كما نشرت من قبل أمام الطبيعة و الانطلاق نحو التجريد. هنا ، لابد من ثقافة تسند البحث. رغبة تسند الفكرة. حلم يسير داخله محلقا في فضاء حدائق التصوف .حالة البحث عن الاستغناء و الزهد في اللون. الغاء الاعتماد علي الوان كثيرة. فالابيض سيد الحلم و سفر الحالمين، فيما بعد تحوّل إلى الرسم التجريدي متأثّرا بدراسته للفلسفة و الدين اليهودي.

في ذلك الوقت، نهايات القرن التاسع عشر، الذي شاعت فيه الأفكار و النظريات و انتشرت الفلسفة ؛ التي تمزج ما بين الدين و الابداع، 

في الحلقة الماضية وقفنا عند لقائه ببيكاسو في باريس. و محاولة انضمامة الي التيار التكعيبي. لكن التكعيبية تيار مختلف عن اهدافه ، عن روحه. التكعيبين اكثر ميلا الي الفك و التركيب و اعادة البناء المنتظم او حتي المرتبك. لكن بتحليلات عضوية مادية و ليست روحانية صوفية.

تقول رابعة العدويّة: 

راحتي يا إخوتي في خلوتي ، وحبيب دائمًا في حضرتي،. 

لم أجد لي عن هواه عوضًا و هواه في البرايا محنتي 

حيثما كنتُ أشاهدُ حُسنهُ فهو مِحرابي إليهِ قبلتي 

إنْ متُّ وجداً و ما تم رضى واعنائي في الورى واشقوتي. 

يا طبيب القلبِ يا كلَّ المُنى جُد بوصلٍ منكَ يشفي مُهجتي. 

يا سروري يا حياتي دائمًا نشأتي منكَ وأيضًا نشوتي 

قد هجرتُ الخلقَ جمعاً أرتجي منكَ وصلًا فهو أقصى مُنيتي.

و هنا يقول النقاد الأوروبيون المتخصصون في التجريد إن اللوحة عن موندريان هي بحثه الدائم عن المعرفة الروحية و الحسية، التأمل في فضاء الممكن لرؤية المستحيل، و ان البساطة هي السر المطلق في جماليات موندريان. كذلك نقاء الألوان معتمدا علي استخدام الأشكال و التكوينات و النظريات الهندسية الحسية. 

و ثمّة نقاد اخرون يذهبون الي أن لوحة موندريان هي لوحة قرأت المستقبل بشكل رائع و قفزت بعالم التصميم من القرن التاسع الي الواحد و العشرين برشاقة متداخلة في مجاليّ التصميم و العمارة الحديثة.

موندريان المبدع العابر بفنة من قرن لقرن بُنى نظرية الرمزية علي ان الطبيعة تجسد رؤيته عند ثنائية الكون. فالممتد رأسيا كما يقول هو رمز للروحي، الثبات، الحضور الميتافيزيقي. و بعضهم يقول رمز للذكورة طبقا لاتباع نظريات فيلسوف القرن التاسع عشر فرويد. و هنا يكون الأفقي رمز حسي روحاني متصوف و أنثوي.

أما موندريان الفنان العبقري الذي غرق في اللون الأبيض. لون الطهر و التأمل في فضاء حالم. موندريان يقول إن التجريد هو السبيل الوحيد للاقتراب من الحقيقة، التلخيص ،الانتصار علي التعقيد، و العودة إلى الأصول الي المربع صفر على مسطح الكانفز. البدايات الطازجة . لكن ذلك لا يتحقق ما لم يملك الرسّام قدرا عاليا من الوعي و التدريب علي رسم الطبيعة.، 

سكن الفنان فترة من حياته في باريس 

لكن عندما سقطت باريس و هولندا بيد النازية عام 1940، انتقل للعيش في لندن، و من ثم إلى نيويورك التي ظلّ فيها من ١٩٤٥ حتى وفاته.

و تحتفل به متاحفها و متحف لندن الوطني.

في النهاية موندريان ساهم في تجديد جماليات العالم من خلال منظومة تجريدية مهمة. و هذا هو دور الفنان المثقف. إن يخرج الجماليات لتمشي علي الارض. تبدل الذوق العام و ليس دور التجريد او الفنان ان يثقب الألوان فقط علي الكانفز لتعلق داخل القاعة و انتهي الدور.. إنما الإبداع الحقيقي هو استمرارية الإبداع استمرار الحياة.

عبد الرازق عكاشة



مقالات دات صلة

التعليقات