من التلميذ سعيد منتسب إلى مدرسيه بإعدادية ابن حزم

من التلميذ سعيد منتسب إلى مدرسيه بإعدادية ابن حزم

من التلميذ سعيد منتسب إلى مدرسيه بإعدادية ابن حزم


(إلى الأستاذة بشرى البكاري، أختا وصديقة)

حينما‮ ‬يهتدي‮ ‬النهر إلى مجراه،‮ ‬يتدفق بفرح الاستلقاء المريح على سريره المائي؛‮ ‬فرح عناقه للحصى والحجر والأسماك‮، وفرح ذلك الطفل الذي يتأرجح تحت المطر ورأسه مرفوعة إلى أعلى مُضاءة بالملائكة وهي تسكب دلاءها على الأرض.‬

هذا شعوري‮ ‬الآن،‮ ‬وأنا في‮ ‬غور هذه المؤسسة التي‮ ‬قضيت فيها أربع سنوات من عمري‮ ‬في‮ ‬بداية الثمانينات من القرن الماضي‮؛ أربع سنوات من اليقظة المحفوفة بتوالي الفصول التي مزقها الركض، وبأكواب الشاي والخبز الأسمر، وبالأحلام التي تُقضم بالتذاذ في دفء ما انتظرناه، وما سنكونه!


لم تكن إعدادية ابن حزم، القريبة من "الدار العالية" و"ملعب لاجونيس"، ومن الأكواخ المفلطحة كأزرار حوري حسين وقصائد عبد الله زريقة، مجرد جدران باردة وأقسام مربوطة إلى طاولاتها،‮ ‬بل كانت حياة بكاملها‮. ‬وما كان‮ ‬يمنحها هذه الحياة الشاسعة، التي أستحضر تفاصيلها كنهر من الحلوى الهادرة تحت الجسور (محمد الماغوط)، هو نظامها المروري‮ ‬الصارم،‮ ‬ليس صرامة المستبد الذي يزأر في كل شيء،‮ ‬بل صرامة الحريص على تدفق السير وتواتره. ‬كنا نعتبر هذا النظام امتدادا لنظام البيت الآمن والحاضن والدافئ،‮ ‬فلا هوة ولا انفصال بين التربية والتعليم، ولا أحد كان يجرؤ على إلقاء كل مشاكل الشارع على عاتق المقررات الدراسية.‬


لم‮ ‬يكن مسموحا بالغياب غير المبرر،‮ ‬وكانت ساعة واحدة من "الإفلات" كافية لقرع الأجراس ولفت الانتباه والمطاردة بالوخز والمدافع‮. ‬لم‮ ‬يكن الوقت المدرسي‮ ‬يذهب هذرا‮، حتى ونحن ننتعل حزن الأحذية ونرتدي خريف الأسمال.. حتى ونحن نسير مخفورين بالغبار والدخان.. حتى ونحن نضم حقائبنا إلى صدورنا كي لا يداهمنا البرد..

إنني‮ ‬هنا الآن، بعد أكثر من ثلاثة عقود‮- ‬وقد مر تحت الجسر ماء كثير كما‮ ‬يقال‮ - ‬أشعر اللحظة بوجود ذلك الطفل الغامض الذي‮ ‬كنته، ذلك الطفل ‬الذي‮ ‬يركض في‮ ‬الساحة بوثوق وإصرار‮ كأن ثمة ممر سريع أمامه إلى الشروق المبكر، ‬وأحيانا بوجل التلميذ "الفأري" الذي‮ ‬نشأ على "تقديس" المُدَرِّس واحترامه وتقديره وتبجيله‮ ‬والانحناء لـ‮ "‬الصورة القططية‮" ‬الذي‮ ‬يمثلها في خيالاتنا. لم‮ ‬يكن المدرس بشرا‮ ‬يأكل ويشرب ويمشي‮ ‬في‮ ‬الأسواق مثلنا (هكذا كنا نتخيله بصدق)‮. ‬المدرس كائنٌ فوق البشر. معجزة تفيض بالضوء والتوابل.‮ ‬وما كان‮ ‬يعزز شعورنا ذاك هو قوة الحضور وبراعة الإداء،‮ ‬مهنيا وإنسانيا‮. ‬كان المعلم مُرتبا وأنيقا في‮ ‬هندامه ولغته وحركته،‮ ‬كأنه قادم من كوكب آخر‮، من تلك السفوح التي تضيء على رخامها البارد آلاف الأقمار.. من النوافذ التي يلدها النهار ويعبئ بها الأركان الأربعة للأرض.‬

واسمحوا لي، ونحن نحتفل باليوم العالمي للمدرس،‮ ‬أن أخص بالانحناء الفَرِح والممتن أستاذين لم أكف، حتى الآن، عن ‬الالتفات المتكرر إلى ما أسدياه‮ ‬لي‮ ‬من أشجار وحدائق،‮ ‬وما خلفاه من أثر مضيء على كل خطوة مشيتها بعد ذلك‮:

أولا: أستاذة اللغة الفرنسية: ‬السيدة نزهة التبر،‮ ‬التي‮ علمتني، مع كل درس، أن "القمح وحده لا يكفي"، وأن "الحياة ليست بستانا من الفستق الأخضر". ‬أتمنى أن أقبل ذات يوم رأس هذه القامة التربوية‮ امتنانا لها على كل حركة دفع ليقفز ذلك الطفل المرتجف والأغبر إلى الأمام.. كم أتمنى أن أقول لها إن "النهر الذي سكبته، يا سيدتي، داخلي ما زال مستمرا في جريانه القديم، وأنه يهز رأسه يمنة ويسرة ليخبرك إنه الآن يتجمع على هوامش الشعر والشعراء، وفي ضفاف الكتب والفنون والآداب". 

ثانيا: أستاذ اللغة العربية،‮ ‬السيد الحبيب بنعباد،‮ ‬العبدي‮ ‬المسفيوي،‮ ‬الذي‮ لم أتوقف‮ ‬يوما عن تذكر أشجار خوخه العالية‮. ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يشبه  "جحيم الآخرين" ولم يكن يأكل من مراعي الأُسود،‮ يتدفق علينا ضاحكا كالسواقي المزنرة بالأشرطة الحمراء. ‬كان مختلف ومنبسطا ومنشرحا وهائلا ومضيئا،‮ ‬ودائم الحدب على‮ ‬التلاميذ الذين كان يرسلهم بهدوء باتجاه النجوم‮.‬ كأن يأتي إلينا من أعالي اللغة. يغزل القصائد النهمة للحب، ويرسلنا نحو موائد الشعراء الذين امتطوا عربات الآلهة. قرأنا معه "خبز وحشيش وقمر:  (عندما يولد في الشرق القمر/ فالسطوح البيض تغفو/ تحت أكداس الزهر..). وقرأنا لمحمود درويش وأحببنا حنينه إلى خبز أمه وقهوة أمه. وقرأنا لأبي البقاء الرندي وأدركنا أن "هذه الدار لا تبقي على أحد/ ولا يدوم على حال لها شان). وقرأنا لهارون الرشيد (وهو شاعر فلسطيني): (سنرجع يوماً إلى حينا/ ونغرق في دافئات المنى/ سنرجع مهما يمر الزمان/ وتنأى المسافات ما بيننا/ فيا قلب مهلاً ولا ترتمي / على درب عودتنا موهنا/ يعز علينا غداً). وقرأ للمعري والبحتري وأبي تمام..

لقد كنا نرسل عيوننا، نحن أطفال الفقر الكالحين، على كل تلك اللآلئ التي تزورنا كحبل من الثريات المضيئة، فنتكئ على فرح أخضر العينين. نزور أمكنة لا توجد إطلاقا على الأرض، وننتقل بخفة بين زمان وزمان، ونتعرف على أبعاد وأسماء أخرى.. في دروس الرياضيات والفيزياء والتاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية..  ولا نسيطر على زورق الخيال الذي نمتطيه، ممتلئين بالحبر والضحكات، وبذلك المعنى البطولي الذي يمثله "الصحصاح بن جندبة الكلابي" أو "سيف بن دي يزن".. 

إنني أشعر، الآن، وأنا بين أسوار إعدادية ابن حزم، أنني طفل بعمر الورد، وأن قلبي يسترسل إلى الوراء.. بالنشوة نفسها التي تتدفق فيها هذه الدمعة في العين.. دمعة اللقاء بالمكان، وبذلك المعنى الجميل والنبيل الذي يجسده الأستاذ.. والذي يربت الآن على كتفي ويقرص خدودي بحنو من الداخل..


مقالات دات صلة

التعليقات