كورونا ولغة التشكيل اللوني والتشاكل البصري للوحة التشكيلية عندالفنان عكاشة عبد الرزاق

كورونا ولغة التشكيل اللوني والتشاكل البصري للوحة التشكيلية عندالفنان عكاشة عبد الرزاق

كورونا ولغة التشكيل اللوني والتشاكل البصري للوحة التشكيلية عندالفنان عكاشة عبد الرزاق

 بقلم الدكتورة زينب لوت 

الفنان المصري المغترب (عكاشة عبد الرزاق) يرسم الحقيقة الإنسانية في إطار اللوحة، تتمثلُ اللّغة التشكيلية عبر مجموعة من التراكيب الّتي تتصدرُ مثولها في التّرميز الجمالي للأشياء، وفي تحويل الواقع لتفاصيل تتداخل وتتماثل في تأدية الخطاب بمختلف مواقفه الانفعالية والتفاعلية علماً بالتواصل المستمر للأحداث والتغيرات التي تستجيب لها أنامل الفنان في ترسيم معالم الحياة وتشفير أثر الرحلة الفنية الصاخبة بالأضواء والملامح البشرية التي يراها بكل دقة تتدفق منها مدارج السؤال ومنفى الاستفهام الذي ينطوي في الصورة ويتخذ مركزيته، وقدرته على توطيد العلاقة البصرية في ترجمة الفكر. 

1 – ثقافة اللوحة ومثاقفة الذاكرة :

تكون للذاكرة أثر قوي في تحديد إطار اللوحة وعمقها وكنهها، وللشخصية الفنية أثرها وسط مجتمع تكتظ فيه ثقافات غربية معاصرة لكن المخيال الثقافي يسيطر بشكل كبير في ترجمة الحس الجمالي، اقتطفت هذا الحوار الذي أجرته (بسمة شيخو) اليوم السابع من شهر نوفمبر2015 حيث يصرح الفنان (عبد الرزاق عكاشة): "حين تتذكر أن خلفك الأندلس وحضارات كبيرة مرّت في المنطقة العربية فهذا يجعلك تنهض بنفسك، تثقّف نفسك وتصلحها بالقراءة وتطوير موهبتك وتجهيز نفسك للحياة. كنت مهدداً في الحياة الباريسية أن أتخلى عن حياتي الإبداعية ولذلك كان التحدي كبيراً، وفكرت أن يكون الفن وسيلة انتصار بالنسبة لي من خلالها أستعيد الأجواء الحميمية لمصر التي تسكنني وللثقافة العربية التي لم أتخل عنها لتكون وقاية لي، حتى لا أتوه في خضم الحياة ولا يستنزفني اليومي ولا تصطادني أنوار باريس. لذلك أنا أستعيد الماضي وطفولتي في أزقة قريتي المصرية لتكون قبعة على رأسي في الكِبر إلى أن أهرم" تكون الفترة الحميمة مع التّكوين الشَّخصي للفنان هي أرقى  الفترات  التي مارست صقل المناخ الفني لديه والثقافي الاجتماعي والسلوكي، وتمكن خلالها بوضع هويته الأساسية كحجر أساس يمكنه من مواجهة صراع الحضارات، واختلال المكان والزمان، ومن رفع إمكانيات البقاء و التميز لأنها تحمل المرجعية الوجودية لكينونته.

كما يؤكد هذا التّمسك البيئي والإنساني  ما نلامسه في مقال (د. محمد الناصر من جريدة الاهرام – 27أوت 2010 ) " قدم عكاشة على مدار العامين الماضيين جسراً للتواصل بين فرنسا ومصر فى معرض أقيم بمركز محمود مختار الثقافى وكذلك حوار جنوب - جنوب الذى عقد بين (نيس) و (أسيوط) من خلال معرض ومؤتمر دولى يشرف عليه الفنان المصرى منصور المنسى رئيس قسم التربية الفنية بكلية التربية النوعية بجامعة أسيوط كما قدم عكاشة جسراً للتواصل صالون الخريف والمملكة العربية السعودية والذى أقيم مؤخراً فى مدينة الرياض وضم مجموعة من الفنانين السعوديين والفرنسيين بمبادرة من الفنانة السعودية هدى العمر." وهي حيثيات زمنية تشير لترجمة البيئة العالقة في ذهن الفنان كممارسة للهوية والتميز والخصوصية الدائمة التي يمكن أن تجتمع في مساره الفني.

2- الموت و الحياة والفن في زمن كورونا:

يعد الوباء من الأحداث البشرية المتكررة في التاريخ وقد نذكر منها وباء الكوليرا (1817 – 1823) الناجمة عن التلوث المائي أو الغذائي وهي أكثر انتشارا في الأماكن الفقيرة، وعلى حدود نهاية الحرب العالمية الأولى ظهرت الإنفلونزا الإسبانية (1918 – 1919) ثمّ الإنفلونزا الآسيوية التي انتشرت عام 1957 وثالثهما إنفلونزا هونع كونغ (1968 – 1970)، أنفلونزا الخنازير (2009 – 2010) الذي أصاب أكثر من 60 مليون شخص في الولايات المتحدة، ولعل وباء إيبولا (2014 – ) 2016 حيث ظهر في قرية بغينيا عام 2014، وانتشر بوضعية محدودة في البلدان المجاورة غربي أفريقيا.

تمثيل الموت والحياة واضطراب السياسة والاقتصاد بين محاولة الخلاص وتدافع الخسائر البشرية أمام موجه برد، أو حالة وباء قاتل أو الحروب والمجاعات ليست بحجم ضياع الانسان في هالة فقدان الذات الإنسانية محور لوحات الفنان (عكاشة سعيد) يحاول دمج خلية الألوان الباردة و الحارة التي تمزج الاختلاف والبحث عن مرجعية الاستقرار في ظل الاختلال، مع جائحة وباء كورونا(كوفيد19) الأخيرة التي فتك بالكثير من الأرواح البشرية في المعمورة وخلف وجود هذه الجائحة .

 في اللوحة تسيج للرأي أو الرأي المسيج المناوئ ترتقي الألوان والأشكال بصورة متزاحمة عن كيفية التفكير والفكر المكيف حسب الوقائع فالحجر يخزن واقع الأفكار بتقلباتها وتنبني مزاجية متعالية،  يبرز اللون الأخضر في اللوحة حيث  تصفه الفنانة (كلود عبيد: 2013) أنه"يرتبط اللون الأخضر بالصواعق، ويعبر عنه في الصين بكلمة من ثلاث أحرف (تشن) تعني الارتجاج أو الاهتزاز، ( التجليات التي تحدثها الطبيعة في الربيع)والرعد هو علاقة بدء صعود اليانغ، ويتطابق أيضا مع العنصر البشري"( الألوان/ص:93)   المتأجج بالخطابات المقيدة لا يكتفي الانسان بمعرفة الصواب او التأكد من صحته من حيث تختلف الذهنيات وتتصاعد الأوتار بين العودة إلى مجرى الوجود، "الأخضر هو استفاقة المياه البدئية، هو استفاقة الحياة فيشنو حامل الكون يصور على شكل سلحفاة خضراء الوجه فيلكا نيللي الآلهة الهندية للمادة الفلسفية المولودة من الحليب ذات جسد أخضر مثل فينوس فياداس.."  (الألوان: ص.92) ويتخذ هذا اللون رموز الأبدية والخلود.

اللون الأزرق في اللوحة متسرب بين الفاتح المختلط والعميق "الأزرق أعمق الألوان يدخله النظر دون أية عوائق، ويسرح فيه إلى مالا نهاية حتى لكأننا أمام هروب مستمر للون هو لون أثيري"(الألوان:ص.81) إعادة تصميم الواقع لا بد بتفتيت وتفنيد محتوياته، والتوجه نحو فعل الرسم التشكيلي حسب القوانين الفنية وقدرة الفنان في فهم كينونة الحياة وإعادة تكوين فكرة الفهم الجمالي المفسرة للكون، لإثارة حالة موضوع ذا صلة بمضمون العالم وتغيراته.

3-اللوحة الملثمة الشعور بالخطر وتمويه الخبر:

يشعر الفنان باستياء ويعبر عن هذا الشعور بتجويف للون الأسود وتقليص الشكل مقارنة بالألوان وهذه اللوحة موجة من التساؤلات إلى متى سيظل البشر يهرعون خلف الأخبار الصحيحة والمزيفة؟، كيف يمكن تمويه الحقيقة وتجذيف التفاصيل؟ متى يعيش البشر بصدق مع عالمهم البشري؟ ربما يحس الفنان بالهوة بينه وبين الواقع، والدور الخطير للإعلام  "لقد أثبتت  بعض الدراسات الدور الخطير الذي تقوم به وسائل الاتصال الحديثة في تنسيق الأخبار، بما يوافق مصالح الأقوياء كما يقول احد الباحثين في مجال الإعلام" (عبد القادر تومي ، الإعلام وأزمة الخطاب العولمي ، : قراءة نقدية في مرآة الإعلام المؤدلج ، مجلة الحكمة ، 14ديسمبر 2010،ص.4) ولذلك يصبح تخوم   الحقائق في جُبِّ التلاشي والتناثر بين ما هو صحيح وزائف و ما هو منطقي واستدلالي شوه وجه الوجود والتواجد، أو ربما هو انزعاج الفنان (عبد الرزاق عكاشة ) من تسرب الوهم في حياتنا واتساع هوة الايهام هذه الرؤية غير الواضحة شكلتها هذه اللوحة بعمق حيث لا تظهر العيون ويكون كل شيء مظلم ويتخلله فكر إعلامي قاحل، لا يمنح الثقافة الاتساع والحرية في أداء مهامه التوعوية والفكرية هذا الهدم خلف العديد من اللوحات التشكيلية عند الفنان الوجوه الشاحبة والملثمة والحائرة في مصيرها امام صراع لا متناهي يتعايش معه الفن بأقصى محتوياته المرئية و اللامرئية وكل المتغيرات الكونية تجد مفهومها العميق والدفين في عبقرية الفنان "فالكون الساكن والكون بالإضافة يتصارعان والشيء يكون في هذا غير ما يكونه في ذاك"( هيغل، فنولوجيا الرّوح، تر ناجي العونلّي، مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت ،لبنان ،ط/1 ،2006، ص.319) يرتبط (عبد الرزاق عكاشة) في تقاسم المشتَّرك الحسِّي مع المحيط والذاكرة والحضارة و المتغيرات  في مقاربة عمق الأشياء، والتَّعامل الرُوحي المنفلت في أقصى سكون في الوجود  الّذي يختبئ خلف دلالاته، ومعانيه، وجائحة كورنا خلفت ذلك المتسائل الدائم والمستفسر خلف الظواهر الكونية والإنسانية والإعلامية والمنظومة الدولية في مواجهة اختلال الحياة وانحدارها نحو خلق أنماط  فنية حداثية تتنامى وظاهرة الكوارث الطبيعية والبشرية في اكتساب هوية فنية يملكها ويتملكها الفنان (عبد الرزاق عكاشة) في لوحاته التشكيلية مع خطاب كورونا.



مقالات دات صلة

التعليقات