بورتريهات حسن بريش (3) : محمد الميموني .. أدمن مواقع الضوء وحلق في الأعالي

بورتريهات حسن بريش (3) : محمد الميموني .. أدمن مواقع الضوء وحلق في الأعالي

بورتريهات حسن بريش (3) : محمد الميموني .. أدمن مواقع الضوء وحلق في الأعالي


  بقلم حسن بيريش  

1 - إنساني المنزع، خصيب المشتل:

كلما قمت برصد تضاريس وسهول الخارطة الشعرية، أجد القمة المشمسة محجوزة باسم محمد الميموني.

وأتطلع إلى هناك، حيث الأعالي الآهلة به، فألمحه وهو في كامل إبداعه، في أتم تواضعه أيضا.

لا يمكن العثور عليه في المنخفضات. مثلما لا يصح اقتفاء آثاره اليانعات في مناطق الظل.

عبثا الزج به 

في دوائر تصنيف، 

هو أكبر منها، 

وهي أضيق من شسوعه.

أولا:

- لأنه منذور للتحليق الحر في الأعالي، حيث يعثر منجزه الشعري على مستقر له.

ثانيا:

- لأنه أدمن مواقع الضوء، حيث يتوهج شعره بالألاء، حيث تتخصب شاعريته بما يجعلها تتفوق على نفسها، وتتسارع عقارب مخيلته.

ثالثا:

- لأنه تعاطى الإبداع في أفقه الرحب. فاكتسب منه صفات الديمومة، وغدا إنساني المنزع، خصيب المشتل.

2 - الموغل في دم القصيدة:

هناك شعراء يحققون أقل مما يعدون به. وٱخرون يعطون أجود مما يوعدون به.

في الصدارة منهم 

نلتقي محمد الميموني.

في مدى اشتغاله الدؤوب على بناء أفقه الشعري، المشمول بجياد القصائد، لم يعرف عن محمد الميموني أنه بادر إلى التنظير، وتقاعس به الجهد عن التطبيق.

مثلما لم يكن يوما محل اتهام بأنه يتكلم أكثر مما يبدع، أو

يجهر بما ليس في مقدور سريرته.

هذه دواوينه، وتلك دراساته، فانظروا، ثم تمعنوا:

هل آل محمد الميموني 

إلى مسالك تقود إلى 

نقيض الشعر..?!

هل استحرث أرضا 

دون أن تعطي 

محصولا فارع الإبداع..?!

هل راود النقد عن نفسه 

دون أن تتداعى إلى سمعه 

تلك الإستجابة المرجوة:

لبيك.. لبيك..?!

كلا، ثم كلا..!!

المحصلة، إننا إزاء شاعر موغل في دم القصيدة، مستنطق لسواكنها، قابض على شواردها، يدعوها إلى دفاتره، وأبدا لا تتمنع، يستسقيها فتفيض بالري. ثم يكتبها فتزدهي به، وبها يزدهي، قبل أن يطلقها لتبعث فينا ما لا يستطيعه سواه.

وإذن:

إننا - عودا على بدء - 

إزاء مبدع عاهد الشعر 

فما بدل تبديلا.

3 - فارسنا الشعري الأبهى:

بالنسبة لجيلي، لم يكن محمد الميموني شاعرا يلهث وراء المعمم. أو يؤسس قصيدته على نمط يدغدغ إبط المشاعر الجاهزة لما يسمى "شرطة النقد"، أو يكرس قيما إبداعية مبثوثة الصلة بتموجات الوقت.

نظرتنا إليه تعلو به إلى مصاف المؤسسين الكبار لقصيدة مخلصة لشعريتها الخاصة.

وكان هو، ما سواه، يبدع شعره بمغايرة لافتة، يبدع وعينه علينا.

لذلك كنا نعثر فيه على ما يقربنا إليه، نلقى عنده ما يجعله "فارسنا الشعري"، الذي لا يترجل عن صهوة الإبداع، كما لا ينبو عنه إعجابنا.

لما انتسجت علائقي بشعره، بعد مداومة الاختلاء بنصوصه الجياد، ذهب بي الظن إلى أنه ضرورة لبقاء الشعر على قيد الإبداع.

ما زلت أذكر ما أجهشت به تعليقا على أول ديوان أقرأه له "طريق النهر":

تعثر قصيدة الميموني 

على مسعاها من خلال 

استنهاض المختفي وإضاءته.

بقلق العمق الجمالي، تنكتب، 

مستهدية بومضات خفية، 

لا ترصدها إلا العين المتمرسة 

على الانضباط.

هذه نصوص مسكونة بالحرائق.

تتخلى عن كائنها الأليف، 

لتندفع صوب ممكنها الجامح 

الممهور بلغة الريح.

يتلبسني في شعره ما أعجز عن اعتقاله ضمن مدار الكلم البليغ. أسعى إلى تعداد أياديه البيضاء على مدونة الشعر المغربي:

يتمرد العد،

ويخذلني التعداد.

هكذا على حافة الكتابة:

أنتهي لأبدأ.

4 - هذا البليغ الحفي:

أول ما قابلته، ذات شعر في معهد سيرفانطيس بطنجة، استدرجني إليه ببساطته الشديدة، أناقة إحساسه، وتلك

البشاشة التي تنضح بها تقاسيم وجهه الممهور بالألفة.

كنت أعد نفسي لكثير كلام.

بيد أن اللقاء كان عابرا، ما تبادلنا فيه سوى بضع كلمات، سرعان ما ذهبت بنا صوب وداع.

لحظتها، كدت أستوضحه عن رموز شعره، التي تبدت لي متدثرة بمسحة من الغموض، وتراجعت، مستحضرا قولة الفرزدق لنقاد زمنه:

"علينا أن نقول، 

وعليكم أن تؤولوا".

كرت سبحة الأيام، يقتفي بعضها بعضا.

عشية الاحتفاء الطنجوي بمحمد الصباغ، قمر تطاوين، في فندق المنزه، اقتربت من محمد الميموني. 

سدد إلي نظرة فاحصة.

هل خذلته ذاكرته البصرية..؟!

ذكرته باسمي. مد إلي يده مرحبا:

- أهلا، أهلا أستاذ بيريش. أنا سعيد برؤيتك.

سألته:

- أين يمكن أن أعثر على نسخة من ديوانك الأخير؟

قال:

اليوم سأترك لك ديواني في استقبالات فندق سولازور، 

قبل سفري غدا.

صباح الغد.

سلمني موظف الاستقبالات مظروفا يحتوي على رسالة ميمونية، مطبوعة بميسم نبل:

"الأخ بيريش. 

لقد أخطأت حين قلت لك 

إن معي نسخا من أحد دواويني. 

وحين عدت إلى الأوتيل، 

تذكرت أنني تركتها في تطوان. 

أعتذر منك أستاذ حسن.

محمد الميموني".

لاحقا، وصلني منه الديوان، معطرا بإهداء جميل زرع في اسمي ما يكفي من ريش لأطير..!

أجل:

أينما حل هذا البليغ، ينثر عبيرا من روحه.

يسبغ على الأمكنة ما هو جدير به من رواء.

ويسخو بحضوره على من حوله.

5 - معدنه النفيس:

ثمة رسائل نادرة لمحمد الميموني أحتفظ بها ضمن كنوزي الأثيرة، لأنها مكتوبة بيراع المحبة، ومصاغة بمداد الصدق، صدق الكبار.

في هذه الرسائل:

يهب شاعرنا نفسه 

منذ أول عبارة.

لا يكترث بالمسافة المرتبكة 

التي يخلقها التحفظ.

يعبر نحوي انفتاحه 

فيرغمني على مجاراته،

على مقاسمته نفس التشبث 

بالود المنبثق توا، 

على التخلي عن التهيب الأول.

يخاطبني في رسالة ألمعية (28 أكتوبر 2004) قائلا:

"الشعر يحتاج إلى 

قراءة عاشقة. 

ورؤية إنسانية خارقة. 

وحس حضاري قديم. 

لأنه جوهر كل هذه القيم، 

منها نشأ، وإليها يؤول.

الشعر عصي على المباضع، 

والمشارط، والمعاول، 

بقدر ما هو سلس لين 

في يد الأرواح الشفافة، 

والأذواق المرهفة، 

والأقلام المختارة.

تلك هي طبيعة الشعر.

فمن شاء فليومن.

ومن شاء فليكفر".

6 - عراب اللغة النثرية:

كتب كثيرون عن "حاجتنا إلى الشعر".

بيد أن لا أحد جعل من هذا الموضوع رهانا كبيرا،كما فعل محمد الميموني.

ما زلت إلى اليوم أذكر نصوصه النثرية الباذخة، التي توج القصيدة من خلالها سيدة الأجناس التعبيرية الجميلة.

بادر إلى أخذ البيعة 

ل "سلطان الشعر" 

ليضرب بذلك ماسمي "إجماعا" 

على "سلطان الرواية".

في هذه النصوص، التي كنا نتسابق بلهفة إلى قراءتها، قبل

ندعو لكاتبها بطول النفس الشعري:

استطاع، بأسلوبه الثر، واستشهاداته المنبثقة من تجربة جد ماهرة في مصاحبة القصيدة، أن يثبت أن الشعر هو نفس الحياة.

وأن الحياة هي قصيدة الكون.

وليس هذا كل شيء.

من رضي عنه الشعر، وقرأ هذه النصوص الكاريزمية، فهو لا محالة سيكتشف، كما اكتشفت، أن الميموني ليس شاعرا كبيرا فحسب، وإنما هو، أيضا، ناثر بليغ.

يقبض على 

ذبذبات الكلمة الجميلة، 

ويبثها على أمواج 

تلتقط على أوسع نطاق.

وإذا جاز لي، في مقامي هذا، أن أصفه بأنه موسيقار اللغة الشعرية، يجوز لي، تبعا لذلك، أن أصفه بأنه "عراب اللغة النثرية".

7 - الراسخ في تربة الإبداع:

مهما نقل، مهما نكتب عن هذا المبدع النادر، سوف نكتشف ونحن نعيد قراءته من جديد:

أن ما قلناه عنه 

هو فقط نصف حقيقته.

وأن ما كتبناه عن نتاجه الإبداعي، 

ليس أكثر من مقدمة 

لتجاوز أعتابه الشعرية.

ومع ذلك:

إن أقل مديح نزجيه له، يجعله:

حبيس حرج،

ورهين ارتباك.

وإن أبسط اعتراف بما له على الشعر المغربي:

يخجل تواضعه،

ويسرق منه بساطته،

ويجعله يداري نفسه.

وإن أية صفة نخلعها عليه:

لا تحرك فيه 

مثقال ذرة من غرور.

ذلك أنها إذا ذهبت بغيره إلى انتفاخ أوداج، فإنها تؤول به صوب حمرة خجل، قد لا يتمكن من مداراتها..!!

تلك هي سمات الشعراء المتجذرين في التربة الإبداعية.

ومحمد الميموني:

من هذه التربة 

طلع إلينا.

وفي خصبها 

ترعرع، 

فأينع، 

ثم أزهر.


مقالات دات صلة

التعليقات