سلسلة مقالات ادريس الروخ (29) : ليزاداك وفرصة الاندماج في عالم الابداع

سلسلة مقالات ادريس الروخ (29) : ليزاداك وفرصة الاندماج في عالم الابداع

سلسلة مقالات ادريس الروخ (29) : ليزاداك وفرصة الاندماج في عالم الابداع

بقلم ادريس الروخ 

لعل أهمية معاهد التكوين المسرحي تكمن في خلق اجيال جديدة من المبدعين في تخصصات مختلفة ومتنوعة من تقنيات التشخيص والسينوغرافيا والإخراج المسرحي وفنون العرض الاخرى ..والتي تعطينا قراءات ممكنة في مناهج ومدارس التدريب المسرحي سواء تعلق الامر بما هو نظري عن طريق دراسة اكبر المدارس العالمية وأكثرها تأثيرًا على الفعل المسرحي ( المسرح الفقير مع كروتوفسكي ..مسرح القسوة مع أنطوان ارتو ..مسرح الصورة مع صلاح القصب والمسرح الاحتفالي مع عبد الكريم برشيد  ..مسرح لا معقول مع صمويل بيكيت وآدموف ويونسكو وآرابال..المسرح الملحمي مع بريشت مسرح الاتشرك مع تشيكوف وماكسيم گورگي ثم  المسرح الرومانسي .. ڤيكتور هيجو و  وألفرد دوموسيه و وجوته  وكذلك المسرح السوريالي مع  ابولينير واندري بريتون ...الخ 

مجموعة من المدارس أسست لنظريات مسرحية بأبعاد وجودية وفلسفية محاولة الابتعاد عن المسرح الارسطي وثائرة عن كل الأشكال التقليدية محاولة بذلك خلق مفاهيم جديدة وتعابير مغايرة للفعل المسرحي ...

دون ان ننسى دورها المهم في تجريب كل الأشكال المسرحية بطرق مختلفة وبتأثيرات اجتماعية واقتصادية ..لخلق مناهج وطرق حديثة ( بحسب وجود الذات المبدعة في زمن الثورة على شكل ومفهوم الحركة المسرحية آنذاك ) والتعبير عن الاختلاف في استيعاب مايحدث من رواج مسرحي غير مساير للمرحلة ..

ومنها تأسست على ضوءها عدد من طرق التدريب والتكوين ( وريما قد تطرقنا لهذا الموضوع في مقالات سابقة ) الا ان ما يهمنا هنا هو الحديث عن المعاهد الفنية والمسرحية التي تدرس مناهج ومدارس لكبار المنظرين والمخرجين والكتاب وأساتذة المسرح في العالم ..بمختلف طرق تدريسهم واتجاهاتهم وميولاتهم الفنية والإبداعية .. 

ونخص بالذكر في هذه الورقة ..المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي الذي رأى النور في عام 1986 ..وبالرغم من كونه جاء متاخرا لفتح أبواب شمس الابداع في وجه فناني المستقبل وجعلهم ينخرطون في اجواء الدرس المسرحي بطريقة أكاديمية على يد اساتذة ومخرجين من مشارب مختلفة ومدارس متنوعة ..

بالرغم من ذلك ( إطلالة المعهد المتأخرة زمنيًا ) فقد استفاد من آليات وطرق التدريس به عدد كبير من طلاب المعرفة الفنية في تخصصات مختلفة ..ونهل من تقنيات التشخيص اسماء وازنة في الوسط الفني ..ابدعوا منذ اول فوج تكون تكوينا مسايرا لمناهج اكبر المدارس المسرحية ( نخص بالذكر تكوين الممثل عند ستانيسلافسكي على يد أستاذ الأجيال البيداغوجي والمخرج والممثل الرائع الحضور جمال الدين الدخيسي رحمة الله عليه ..) 

لعل كل من تعاقب في تدريس آليات وتقنيات المسرح بتخصصاته المختلفة من اساتذة ودكاترة ومخرجين ..من المغرب ومن أوريا والعالم العربي ..كانوا يدركون ان التكوين بالمغرب له خصوصياته وله طقوسه وحاولوا بذلك المزج بين ماهو ذاتي وماهر موضوعي ..بين ثقافة البلد وثقافة الاخر ..لما لذلك من أهمية قصوى على نفسية وعقلية وجسد الطالب ..

فالمعهد (ليزاداك) يعتبر احد اهم وسائل الاندماج في الحركة الفنية بالمغرب ..على مستوى المعرفة الفنية والممارسة الاحترافية ..وخلق مفاهيم أكاديمية تمزج بين النظري والتطبيقي ..بين الانفتاح على الممارسات المسرحية والتجارب العالمية والاهتمام بأشكال المسرح المغربية ( كالبساط..الحلقة ..الغ ) بين تربية الذوق وتكسير المعتاد ..بين الاختلاف في وجهات النظر واحترام الاخر ..

لقد استطاع من التحقوا بصفوف المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ، وعلى مر سنوات الدراسة والتخرج والاندماج وسط الجسد الفني ...ان يتوصلوا الى حقيقة مهمة تخص بالأساس فترة تواجدهم بالمعهد : وهو ان هذه الفترة تعتبر وسيلة مهمة لشحذ وصقل مواهبهم الفنية وتربية الذوق الجمالي ..وتغيير بعض من المعتقدات والأحكام الجاهزة حول الفن بالمغرب وبالعالم ..واكتسابهم للغة الحوار المبني على فهم الاخر ..وعلى التواصل والاقتراب من عمق الأشياء والاهتمام بالدلالات ..والانفتاح على تجارب اخرى تساهم في تطوير ملكة الابداع ..

ان الفهم الحقيقي لمغزى وجود المعهد كمؤسسة فنية ( بغض النظر عن دوره المهم في التكوين ) يكمن في ترسيخ ثقافة الاعتراف بما قدمه الرواد من تجارب مهمة في مجالات متعددة ..( لا ننسى ان عدد كبير من رواد المسرح والتلفزيون والسينما بالمغرب ..استعان المعهد بهم وبتجاربهم نذكر على سبيل المثال - لا الحصر - رائد الفرجة المسرحية الطيب الصديق والفنان المتعدد المواهب هاملت المغربي محمد سعيد عفيفي ..وكذلك صاحب الاحتفالية الاستاذ عبد الكريم برشيد ..الغ ) 

وبالتالي المعهد ساهم فعلا الى جانب عدد من المؤسسات الفنية الاخرى والجامعية أيضا في ضخ دماء ابداعية جديدة أعطت أكلها وفاعليتها وحركيتها على الصعيد الوطني والدولي..وأغنت الفعل المسرحي بتجارب مهمة استقطبت بالاهتمام الحركة النقدية بالداخل وبالخارج ( أعمال مسرحية فازت بجوائز مهمة في مسابقات دولية كبيرة : تجربة اسماء هوري ..أمين ناسور ..محمد الحر ..الخ ) ثم اعمال سينمائية لقيت رواجًا فنيًا في عدد من المحافل الدولية الكبرى ( تجربة فوزي بنسعيدي ..حميد باسكيط ..محمد نظيف ..لطيفة احرار ..على مستوى الإخراج ، و نسرين الراضي ..سعيدة باعدي ..فاطمة عاطف ..وخلود البطيوي ..الخ على مستوى التشخيص ) 

ثم في التلفزيون والراديو وتسيير المؤسسات الفنية والمراكز الثقافية وتنظيم الملتقيات والمهرجانات ..

وبالتالي فهذا الزخم الكبير من الإنجازات التي تحققت بواسطة خريجي المعهد يبعث على الارتياح ..ولكن أيضا في التفكير في خلق شبكة تواصلية للاستفادة من كل هذه التجارب و تقديمها للشباب المتعطش للالتحاق بالمؤسسة وتطعيمها بتجارب رواد المسرح والسينما والتلفزيون ، وتكوين نواة لجعل المعهد مختبر لتقديم ابداعات مختلفة ومتطورة ومتباينة ..ولعل ما قام به كل المدراء الذين تعاقبوا على المعهد( مند المؤسس الدكتور احمد بدري والكاتب والأستاذ الجامعي الدكتور  احمد مسعاية مرورًا بالأستاذ جمال الدين الدخيسي والدراماتورج عصام اليوسفي 

والسوسيولوج سلامة الغيام ووصولا الى الدراماتورج والممثل رشيد منتصر) كان يصب في نفس الاتجاه ، الا وهو : تطوير مناهج التدريس والتكوين في مجال المسرح والفنون المجاورة باعتماد لغة ابداعية تستمد أدواتها من ستانيسلافسكي او مايورهولد او كروتوفسكي والتأكيد على التعدد في اكتساب ألوان منهجية اخرى انطلاقا من الرقص والتعبير الجسدي والارتجال والبانتوميم (...)

ولهذا لا يسعنا الا ان نصفق لكل مبادرات التكوين في مجال الابداع والتي تفتح ابوابها لعدد كبير من الطلبة/ فناني ومهني المستقبل  للاندماج والسعي لتطوير آليات وتقنيات الممثلين والتقنيين على حد سواء .  

ملحوظة: اعتذر عن عدم ادراج العديد من الاسماء التي ساهمت بشكل كبير في تربية اجيال وأفواج من خريجي المعهد وذلك بسبب عدم الاطالة وسنتطرق لهم في ورقة لاحقة .


مقالات دات صلة

التعليقات