بورتريهات حسن بريش (16) : إيمان الخطابي.. شاعرة نهرت جسدها الذي يكتب..!!

بورتريهات حسن بريش (16) : إيمان الخطابي.. شاعرة نهرت جسدها الذي يكتب..!!

بورتريهات حسن بريش (16) : إيمان الخطابي.. شاعرة نهرت جسدها الذي يكتب..!!

  بقلم حسن بيريش  

(1)

ثمة قصائد تبلى إذا طال وقوع العين عليها، وأخرى كلما أمعنت النظر فيها تفاقمت جدتها، تضاعف اخضرارها. ولا منجاة منها إلا الوقوع في أسرها.

إلى الصنف اليانع ينتسب قصيد إيمان الخطابي، تصورا، خيالا، خطابا، ولغة. لذا، لا غرابة أن تندهش إن بقيت في شعرها أطول من المعتاد، أطول من القراءة.

أما أنا، فقد تعودت على الدهشة، وراكمتها تباعا، منذ أول إقامة لي في غرف شاعريتها. وأضحت قراءتي لمخيالها العارم تدرك، بوثوق، أن في أحداق شعرها ثمة وسم من الجاذبية، لا يخفى، ولا يبلى.

"نهرت يدي التي تكتب

مع أني لا أجد شيئا آخر لأفعله

أنا مفلسة تماما

وليس بوسعي سوى أن أحشو

قلبي بالكلمات".

(2)

صحوت اليوم على نداء أتاني من أقاصي ديوانها "حمالة الجسد". هنا الإشارة تطرق باب العبارة، فيلجان، معا، كل أسرار وخوافي الدوال، ويبدو النص مفتوحا على فداحة التأويل الملغوم، ومشرعا على مأزق البياض.

هل 

قلت 

البياض..؟؟

بلى، هو البياض الذي يهب للنص شرعية قوله، ويدفع به صوب وهم يقينه، بعض كله، راحة وعثائه، وغنائم أسره. بعدها، ما على المتلقي إلا أن يختار بين أمرين إيمان هي ثالث اكتمالهما:

أن يمكث داخل النص،

ثم يعيد صوغه، 

كي يلغي حقائق الشاعرة، 

أو يغادر فضاءه،

وهو يجر أذيال الظنون..!!

لو خيروني، لاخترت المكوث في سمع قصيدتها وبصرها، حتى لا تعاتبني غاضبة، وهي تقول:

"ألم أقل لك في البداية

لا تنفق هذا الحب كله

دفعة واحدة !

ها نحن الآن مفلسين

في عرض الحياة"..!!

تستحضر الشاعرة نجاة زباير ذاك البياض الذي يتلألأ في قصيدة إيمان، وتوثقه عبر إضاءة كاشفة:

"تنتعل بكل هدوء المداد 

وتمشي فوق البياض، 

ترسم ببصمة روحها عالما اختارته 

سكنا لها بعيدا عن ضوضاء الحياة".

(3)

إيمان الخطابي شاعرة مقلة في إكثار، مكثرة في إقلال. لا تعنيها وفرة قد تؤول إلى زبد يذهب جفاء، بل ترضيها قلة تحيل على خلاصة لا يذهب بها مد ولا جزر.

وما هي بضنينة السر، حين تكون في حضرة القصيدة، في مواجهة ندائها، فإما أن تكتبها، وإما أن تتركها، ثم لا مكوث هناك في المنطقة الرمادية لجوامح الشعر.

لا تعمد إلى الكذب على الإبداع، عبر مراكمة قصيد يعوزه الغدق، ويفتقر إلى الدفق، لمجرد إرضاء الحصيلة. ويكفي ارتفاعها في أعالي العبارة، وتحليقها في سماء المجاز، من خلال أجنحة ديوانين: "البحر في بداية الجزر"، و"حمالة الجسد".

من دون ريب، إن إيمان لا تشارك دعبل الخزاعي صرخته الغاضبة، الموارة بافتقاد الجوهر:

"إني لأفتح العين حين أفتحها

على كثير ولكن لا أرى أحدا"..!!

بيد أنها، وهي ترى، بأم أساها، ما يرتكب ضد القصيدة من مجازر فظيعة، لا شك ستقاسم أحمد شوقي فداحة قولته الطالعة من أتون واقع لا يرتفع:

"إذا كثر الشعراء 

قل الشعر"..!!

(4)

بين الكتابة بالجسد، والكتابة عبر الجسد، ثمة فارق لا أراه سوى في منعطفات شعر إيمان، في شطحات مخيلتها، في ارتباط لغتها بنبض الأنا، وفي تمثلها الفادح لأشياء الجسد، واختلاجات العمر في صيرورته.

"أثقلني جسد،

وضعته على جنب..

واتكأت على جذع روح".

إنني إزاء شاعرة لا تمارس تقييد أوابد الجسد، ولا تمسك شواظ شوارده، بل تطلق سراح تمثلاته كي تدفعه نحو ما يبتغيه الشعر، ويشتهيه المخيال.

إنها لا تكتب بجسدها، 

بل عبر جسدها. 

من ثم، هي تلغي 

كل مسافة محتملة بين 

"حمالة الجسد"، 

و"حمالة الحطب". 

لأن رمزية الجسد مشرعة 

على رمزية الحطب.

والنار هي نفسها، تتبدى واحدة لا شريك لها سوى قصيد يصلى كي يذوب، يغني به عمر من التشظي، فتشجى به سنوات حمله، وحلمه، واضعة إياه ما بين مهد الاكتشاف، ولحود الرغائب..!!

(5)

لما ألج عوالم إبداعها، يعن لي أن أقول انكبت إيمان على استحلاب مضمرات الجسد الأنثوي، في نزوعه وارتداده، فانكببت أنا على تفاصيل خطوبه، وعلى حواس خموده، لأجدني ٱخذا فيه، مأخوذا به.

ولم أدر أن 

الجسد عندها 

صورة 

وليس كلمة.

بكل مرائره، بكل تبدياته، تحول الجسد الانثوي إلى رؤية تسمع، إلى إنصات يرى، لأن صورة الجسد تبدو أوسع من وعاء اللغة، وأضيق من دلالة العبارة.

أسست الشاعرة خطاب الجسد من منطلق حريته، لا عبر استعباده. مما منح لها تفجير طاقات هائلة في التكريس الذكي لثنائية الحجاب / السفور، والتحرر / الاعتقال، ثم الذهاب بعيدا، عميقا، في التعبير عن تلك المناوشة التي تستشعرها المرأة وهي في حضرة لباب جسدها.

"خذ عني هذا الجسد قليلا

لأخمد روحي. 

القيد الذي يكبل جسدي

يدمي نسغ الروح. 

في قفص تربى جسدي

فلم تذهب بعيدا روحي"..!!

(6)

داخل الجرح، جرح الأنوثة، وجرح الجسد، تتخلق القصيدة، تتعمد بماء الألم، لتنكتب في جسد الشاعرة، قبل أن تقرأ في جوهر جسد العالم.

إيمان تبني متخيلها الشعري على أنقاض الجسد، لكي تعيد خلخلة الترسبات القيمية، وتنتصر للخامد فيه، لا للملتهب، 

نشدانا لخلاص الٱهات، وسراح الأنفاس.

"امرأة هي جذري الأوحد

كلما هزني نرجس وبختني

خففي الوطء كي لا تميد بنا الأرض

واخفضي الحلم بقدر جناحيك

وبقدر الهواء في الرئة الناقصة"..!!

والألم، هذا الذي يتفشى في عروق أشعارها، هو ألم جسد معتقل في سجن النواهي، أضحى يثور على سجانه، حتى يخفق ملء شهوات الحياة المستكنة فيه.

"ما زلت هناك

مشدودة إلى جذع الألم

يا وجه الندم

أرني كيف يكون غدي

لو أني لم أمدّ يدي

أستعطف الحب"..!!

(7)

برحيب المعنى، بشغب الكلمة، بالتباس الجملة، تكتب هذه المبدعة المأهولة بالجيشان. إنها تكتب على جسدها، قبل الذهاب إلى ملاقاة الورقة.

لذا، تأتينا لغتها وهي مثقلة بصبوات الدلالة، مأخوذة بذاك الاستفهام الإنكاري، وهو من شيم الجسد الأنثوي الذي لا يكتب، بل ينكتب، لا يفصح، بل يلمح.

"أكتب في غرفة 

خافتة الضوء

كي لا تجفل الكلمات

الخائفة"..!!

بلى، كأني بها، العبارة المرتجفة، تخشى الانكتاب في جملة شعرية لإيمان الخطابي، حتى لا تطوح بها اليد المبدعة إلى

تخوم قصية لم تعهدها دوالها من قبل.

إن الشاعرة تحرج اللغة، عبر جعلها عارية في مهب خبئها، وأمام ما تختزنه من لطائف المعاني، وجوامح الاستعارات، وجوامع الكلم.

"صحوت اليوم

وفي نيتي أن اطير

تفقدت عدتي

لم يكن بحوزتي ما يكفي من حرية"..!!

حرفها ألوف لهوى التركيب والتخييل معا. يتجلى ليضيء أعمق، ويتخفى ليستعلن أوضح. ثم هو يعقل اللب بصوره المنفلتة من كل سياج، المتحررة من ربقة الخط التعبيري العمودي لوارف الفيض الشعري.

الٱن، فقط، أدركت لماذا كلما أبحرت في لجج لغتها، أنسى شراع عودتي، ثم أتذكر ما قاله جاك دريدا عن الشاعر في مواجهة لغته:

"يدرك كيف يترك الكلمة 

تتكلم وحدها،

داخل الكتابة".

(8)

رعود الشعر عند إيمان، تتبدى، بجماع أعاصيرها، في تلك

العناوين، ذات البرق الخاطف، التي تدثر بها أعالي مجمل قصائدها، التي تتغذى على قوت المغاير.

إنها ماهرة، إلى أبعد حد، في إبداع العتبات الذكية، حتى تضمن لقارئها، لها أيضا، سلاسة ولوج عوالمها الثرة، دون وعثاء المسير، ولا مطبات اللقاء المرتجى.

لا أخالها، هذه الأخاذة، مثل:

"الكتاب أخفاه طي، 

فاستدلوا عليه بالعنوان"، 

كما قال العباس بن الأحنف. وإنما أتخيلها، سيدة المخيلة، ومبدعة الرهافة، هذه: 

العنوان أخفاه مكر، 

فاستدلوا عليه برمز..!!

(9)

ويا إيمان، أراني، بعد هذا التطواف، بعد هذه الأشجان، لا أقبل منك أن تشهري في وجه الشعر، وفي وجه القارىء، صرختك المدوية في همسها:

"نهرت يدي 

التي تكتب".

أتعرفين لماذا..؟!

لأني أبدا لن أنهر قلبي الذي تملاك، وتصفحك، وانهمر بك، وفيك، قبل أن يكتبك، ينكتب بك.


مقالات دات صلة

التعليقات