بورتريهات حسن بريش (18) : إيمان حميدان .. روائية أشهرت العصيان ضد قبيلة الذكور..!!

بورتريهات حسن بريش (18) : إيمان حميدان .. روائية أشهرت العصيان ضد قبيلة الذكور..!!

بورتريهات حسن بريش (18) : إيمان حميدان .. روائية أشهرت العصيان ضد قبيلة الذكور..!!


  بقلم حسن بيريش  

(1)

من أمكر فخاخ الكتابة، أن تكتب عن كاتبة تكتبك. وتتدانى من مبدعة تقيم في نأيك. وتتأنق بلغة تشبه قامتها، قبل أن

تكتشف أن بلاغتها من ترتدي ظلك..!!

على دوام إعجابي بلواعج يراعها، وقف بي حبر الكتابة في المسافة الراقصة بين شك ويقين. 

شك في قدرتي على دوزنة أوتار سردها، لكي ينسجم النغم مع شبوب مقامات أمكنتها الطاعنة في قراءتي.

ويقين في قدرتها على تغذية شفوف هيبتي، كي لا أقترف الذهاب إلى نبعها الثر، وليس في إيابي ما يكفي من صبوة الماء، وشرارة النار..!!

وعلى حواف التشظي، أظل رابضا، بلا حراك، أشبه بتمثال 

ينتظر إزميلها لينحت تقاسيم ولعه.

وإلى سؤال، دوما تؤول بي إيمان حميدان، وها هي، الٱن، تؤول بي إلى جواب:

كيف يمكن الكتابة 

عن مبدعة تقول بعلو بهائها:

"أرسم في الهواء، 

وأكتب على سطح ماء"..!؟

(2)

أراهن بكل أوراق حبري، أنك ستصاب بنوبات دهشة وأنت 

منهمك في قراءة رحيب سرودها، عارم رؤاها، فتن أمكنتها الضالعة في أنين زمنها، وجنون شسع لغتها.

كاتبة الدهشة هي، تستبقيك في وجيب عجبها، وتريك من ٱيات الغرابة ما يشدك كلك إليها، ويضعك رهين ميسم من باذخ مخيلتها، فتلبث فيها، أبدا لا تبرحها.

من عتبات نصوصها، تلك المأخوذة بأقاصي المعنى، تقبض إيمان على أنفاسك المتلاحقة، وتثير فيك كل ذهولك الذي يسترسل في بعض ذهولها، قبل أن تأخذ بقلبك، لا بعينيك، إلى غمر النص، حيث لا رجوع..!!

أتملك قدرتك على 

مغادرة نصوص، 

تسمي انبثاقها الجانح

بجماع رواء الجنون:

“باء مثل بيت مثل بيروت”،

و“خمسون غراما من الجنة”..؟!

أنا لا أملكها، وما كان، يوما، غياب الدهشة، من ممتلكاتي، حين أكون ماثلا في حضرة نصوص إيمان حميدان، هذه المبدعة الكبيرة التي تضمر لي أحلاما بحجم ما في ريح توقها من ترحال وتجوال.

(3)

عبر المسافة تكتب هذه البيروتية الباذخة. ليس لأنها تترك التابث يأخذ وقته في تأمل المتحول. بل لأنها تأخذ ما مر صوب الانصهار في أتون الذي سيأتي.

بذلك، هي تقرأ أكثر مما تكتب. تحلم بحجم عام، وتجلس رفقة الكتابة بمقدار شهوة. 

ولا تشرع في نشدان رواية، في استلهام حبكة، حتى تعيد ترتيب أوراق انتسابها، الذاتي والحبري، إلى أمكنة مفتوح وجعها على مسافة الجرح، وأزمنة منذورة للتطواف حول ندوب الروح، وكدمات الجسد.

من "باء مثل بيت مثل بيروت”، حتى "خمسون غراما من الجنة”، روايتان تبلورت أشجانهما عبر مسافتين، في زمن وفي مكان، مسافة الانعطاف بالتجربة نحو تكريس جماع تمثلاتها الإبداعية، ثم مسافة الالتحام بغموم فادحة لواقع يتجلى في جحيم ساحة الوغى.

"لم أكتف بذلك المكان، 

بل جعلت واحدة أو اثنتين 

من شخصياتي تزوران البلدة 

حيث الموت 

كان قريباً أيضاً ولزمنٍ طويل. 

كأنني عبر الرواية 

كنت أزور الأماكن التي 

أصيبت روحُها مثلي. 

عدت إلى تلك الأماكن لا لتذكرها،

بل لأقبل موتها 

أو موت علاقة ما معها، 

ولأنهي حداداً طال. 

لكن الخسارات لا تُمحى. 

تتراكم فوقها خسارات أخرى 

ننشغل بها عما سبق".

(4)

لا تكتب إيمان حميدان بلغة تشبه مرهم الخيال، بل بلغة شبيهة بفورة ٱلام الجرح المفتوح. من هنا، لا ضمادات في عباراتها، ولا سائل أحمر يوضع على أوجاع الجملة، وحده ضمور الروح يقتفي الأنين المستكن في اللغة.

بالجراح تنكتب، ومن دم المعنى تنتقي معجمها. لا تهادن الكلمة، بل تثور عليها. هكذا تكسب هي عنفوانا ليس من شيمة اللغة المعطى تعبيرها سلفا، ونربح نحن نصوصا لا تخذل بلاغتنا في منتصف بزوغ الجملة.

"علاقتي مع اللغة تغيرت. 

استطعت أن أجتاز الخط اللامرئي 

الذي يفصل بين 

سطوة اللغة 

على الكاتب،

وسطوة الكاتب 

على اللغة".

وما يلفت انتباه قراءتي، أن إيمان لا ترجع بلغتها إلى وراء الوراء، حيث تنتفي علائم تميز اليد الكاتبة، والقلب المعبر، وإنما تقودها إلى أمام الأمام، حيث انشراح الدلالة، وكثافة الانهمار، ووابل من زخات التفرد.

ليست سلطتها على اللغة، من تؤول بها إلى القبض على كل جمرات الدوال، بل سطوها على اللغة، من يتيح لها قبضها على ماء المعنى.

ثمة يفاعة نادرة 

تثوي في عرام كلامها،

ولا مكان داخل 

عرس لغتها 

لاستقبال 

عوانس الكلمات..!!

(5)

في أول خلوة لي مع روايتها "خمسون غراما من الجنة”، شدتني إليها لغة سردها، استفزت مخيلتي، وٱلت بي، بل طوحت بي، نحو عوالم تعابير لا زمام لها.

الذي أدهش لغتي، أنها، إيمان المدهشة، تنفصل عن لغتها، دون أن تنفصم عنها. 

إنها لعجيبة، حقا، هذه القدرة الماهرة على الانسياب عبر جداول لغة مدججة بالعنفوان والسطوة، ومثقلة بتاريخ موغل في بذخ البلاغة.

"في الكتابة علينا أن ننتصر 

على اللغة في معظم الأحيان، 

وبالنسبة لي ما عاد للغة العربية 

قدسيّتها التي تَعَلّمنا 

أن نحفظها كما هي دون سؤال، 

ودون تغيير. 

هذه أيضاً معركة ربحتُها 

لصالح حرية التعبير 

ولغنى المعنى، 

دون قيد شكل اللغة.

(6)

بين قطار وٱخر، بين طائرة وأخرى، تقيم هذه الكاتبة، ولا تقطن إلا في استرسال تجوالها. واسترجاع أنفاس إقامتها مرهون باستئناف غواية رحيلها.

وبين سماء وأرض، بين علو الرغبة في الكتابة، وانخفاض الحنين إلى الانعتاق، تبعثر حبرها في مدن لا تشبهها، وفي قارات لا تنسيها الوله ب "بيروتها"، تلك التي تمنحها حلم استقرار عبارتها التجولة، وحفر علاماتها على حجارة إليها تنتسب وشوم الكتابة.

"صار بمقدوري القول 

إن الكتابة تصبح هي البيت. 

تحتل مكان البيت الأول، 

وتصادق أرَقي المتنقل بين أمكنة عابرة".

إيمان حميدان تكتب على الهواء، وعلى جسد السفر، وعلى شجرة التيهان، قبل أن تبدع على الورق، ثم تحكي أحلام وتطلعات نساء، ضبطهن الواقع المكلوم وهن يصرخن في وجه الحبر، نشدانا للخلاص الذي ينال ولا ينال..!!

(7)

كل نص تكتبه يعد تحديا يوميا للنظام المعمم، الذي يقبل الوأد اليومي لصوت الأنثى وبوحها. لذا تغدو الكاتبة، عبر فضحها لمناطق الأسر والسبي، "بطلة بكل معنى الكلمة"، حسب تعبيرها.

إيمان حميدان لا تقبل مهادنة جريرة الاستصغار الذكوري لليراع النسائي. ودوما تناوش هذا الاقتراف، وتفضح كل المصادر التي يتغذى منها، وعليها.

تقول في حوار لها مع علياء تركي الربيعو:

"المرأة الكاتبة 

لا تقاتل فقط مع اللغة والنص 

والأسلوب كي تخرج بعمل 

ناضج وإبداعي. 

بل تقاتل من أجل وجود لها 

في الحيّز العام 

الذي اقتصر لعصور وعصور 

على الرجل فقط"..!!

(8)

من الحيز الخاص، حيث يتدارى جسد الكتابة متنازلا عن جزالته لفائدة ركاكة المذكر، إلى الحيز العام، حيث سلطة المؤنث تتجلى حرفا، تتبدى حضورا، تتحدى إبداعا، تأتي السنديانة اللبنانية، إيمان حميدان.

تأتينا كي تضعنا في مهب ذاتها الموارة بالإقدام، المأهولة بالأمام، والمنظورة لشهوة الأعالي.

إنه زخم من لدن الكتابة، بل إنه تدفق سواقي القلب، ذاك الماء الرقراق الذي يذهب بالمرأة صوب: 

ما لا عين رأت، 

وإن كانت قد استنكرت، 

ولا أذن سمعت، 

وقطعا ما وعت، 

ولا خطر ببال قلب

يهتدي نبضه باتقاد النص..!!

(9)

عسير إلى أيسر مدى، اقتراف نهاية مع هذه الكاتبة، التي أخالها تأبى إلا أن تصنع بدايتي.

ومن أمكر مٱزق الختام، أن تلوذ بحبر، تدرك مسبقا أنه لها عاشق، كي يسعفك على مفارقتها..!!

أيمكن، بل أيصح، 

توديع كاتبة

تهجس في وجه 

قيد أدمى معصم الحرف:

"كتابة المرأة

عصيان مدني غير معلن"..؟!



مقالات دات صلة

التعليقات