بورتريهات حسن بريش (19) : وجدان الصائغ .. ناقدة أخرجت شجو الروح من قمقم الجسد..!!

بورتريهات حسن بريش (19) : وجدان الصائغ .. ناقدة أخرجت شجو الروح من قمقم الجسد..!!

بورتريهات حسن بريش (19) : وجدان الصائغ .. ناقدة أخرجت شجو الروح من قمقم الجسد..!!

  بقلم حسن بيريش  

(1)

قد لا تكون أكبر ناقدة، هذا احتمال جائز، لكنها أذكى ناقدة، وهذا توكيد راسخ، رسوخ اسمها. 

ما بين ذاك وهذا، ترتفع وجدان الصائغ إلى أعالي النصوص، وتجعل النصوص تحلق معها في أجواء متسمة برحيب فهم تجليات الكتابة، شسوع الوعي بمضمراتها، ومهارة الوصول إلى أغوارها السحيقة.

لذا، ينشرح محيا أي نص، مهما كبر اسم صاحبته، إذا لمسه يراع هذه الناقدة المشحوذة. بل ثمة نصوص كثيرة تنتظر، على أحر من شوق، موعدا مع حبر وجدان.

إنها، في نقدها، 

غربال دقيق،

لا يقترف الشقوق 

الملأى بوابل التسربات..!!

(2)

لا أذكر، الٱن، منذ متى أدمنت قراءة نتاجها، وكيف أدمنت الإعجاب بفتون أحبارها المضيئة في جياد النصوص. ما لا أنساه، لحظتي هذه، أن أول تأريخ لعلائقي الوثقى بيراعها الكبير، تجسد عبر كتابها المدهش، والزاخر، الذي ما اكتفى بخطفي بأكملي، بل أقلني كلي إلى أعالي بحارها: "شهرزاد وغواية السرد / قراءة في القصة والرواية الأنثوية".

مذ ذاك الكتاب، لم يتوقف، يوما، مقروئي عن ملاحقة كل مكتوبها، والوصال الخاشع معه، ثم عقد قران لا يقرب من انفصال، بين جموح قلمها، وجنوح إعجابي..!!

هكذا أكون على قيد كاتبة تخلخل ٱليات الثقافة الفحولية، وعلى أنقاضها تبني أطروحتها النقدية الجريئة، وتعمد إلى إضاءة النص الأنثوي النفيس والغميس.

"الكتابة الأنثوية ليست 

هتكا للتابو، وخرقا للمعتقد، 

إنها كتابة ابنة الراهن، 

فكيف يعيش النص في مجتمع يرفضه؟!".

تساؤل في فداحة الحيرة يتوالد، وداخل التباسات الواقع يصرخ ملء حنقه، وبشجاعة الفضح يستعلن حاملا جماع تحدياته لثقافة مصابة بعمى التمييز..!!

(3)

"أنا أنظر بعين الاحترام 

للنص الأنثوي الذي 

يخرج من قمقم الجسد".

أجل يا وجدان الكتابة النسائية، لا كتابة بإمكانها أن تبحر عميقا في مياه الواقع الظامىء، دون استرشاد بمحتويات الجسد، حيث ينتشر الضوء الذي يقود العبارة نحو رسوخ تأثيرها، بروز عنفوانها، واتقاد هواجسها.

وحده قلم وجدان يكفي ليشكل حملة شاسعة، شرسة ضد وباء التمييز الجنسي، هذا الذي يستشري في جسد ثقافة عمياء، كلما حقق النص الأنثوي جدارة انتمائه إلى الذاكرة العربية والكونية، وجسارة تعبيره الأخاذ عن مضمرات بها يستيقظ الوعي العام من سباته..!!

"هناك حضور طاغ 

للصوت الأنثوي الجاد، 

الذي يحاول أن يحفر له مكانا 

في الذاكرة العربية، 

ويقف في وجه المجتمع 

الذي يبارك هذه الثقافة".

.

(4)

وجدان الصائغ، هذه الكاتبة العراقية الكبيرة، راكمت كثير دراسات غميسة، ومتوقدة، حول "الكتابة بالجسد"، تبدت جليا في تنظيرها، المشمول بثقافة نقدية عميقة، لمحتوى وشكل هذا المفهوم، وذهابها الثري، الذكي، نحو تطبيقاته المضيئة في نصوص كاتبات عربيات.

ذات حوار زاخر، سألها محمد الحمامصي: "ماذا تقصدين بالكتابة بالجسد؟"، أجابت بمهارة تباركها اللغة المشبوبة، ويرضى عنها الوعي الشقي:

"صوتي يختلف عن صوتك، 

صوتي ناعم وصوتك خشن، 

أنا ضد أن يكون النص 

هو نص الغرف المغلقة نصف المضاءة، 

وضد النص الذي يكون 

ابنا للجسد الناعم، 

لكن ما أن تضع المرأة 

بصمتها على ما تكتب 

يمكن التعرف عليها، 

امرأة مرهفة، 

امرأة تعيش في هذا العالم المضطرب"

وأنا أقرأ تنظيرها المؤسس على ميزات مثمرة، وإمكانات مقيمة في شسوع الاستثناء، ومشبعة بفكر ينغل بالكوني، ويسترشد بالمضيء في الأصل العربي، لا أملك، يقينا، إلا انحناءة، سرعان ما أنجزها أمام كتبها.

(5)

تخيلوا معي واقعا إبداعيا نسائيا عربيا، في غياب الوعي الكوني الماثل في قراءات وجدان، وفي منأى عن ظواهر مقاربتها للنصوص ببواطنها.

أنا لا أريد أن أتخيل ذلك، كما لا أريد أن أتوقعه. وإلا فإن خسارات النص الأنثوي ستكون فادحة، وأكثر من قدرتنا، وأثقل من حملنا، وأوسع من جرحنا..!!

والكاتبات العربيات "المتهمات"، كلما كتبن، بخرق القواعد المرسومة، انتهاك القيم السائدة، المناوشة لكل معمم، من بمقدوره أن يترافع لصالح "قضيتهن"، يدافع عن حبرهن، وينزع الألغام من طريقهن، غير قلم وجدان الصائغ، الذي يخرج سافرا، متوثبا، إلى ساحة المعركة..!!

تأملوا معي، وانظروا هذه الأسطر في مرافعة لا يتقنها إلا يراعها الساطع كالمنارات:

"المتن الأنثوى قارة لازالت مطفأة 

في أدبنا العربي، شئنا أو أبينا. 

يعني المتن المغيب، 

القارة المجهولة، 

وقد جئت بأطروحاتي، 

وركزت الضوء على هذا المتن 

بإرادتي وليس من باب 

عقدة معينة"..!!

(6)

ثمة نصوص تخلق فراغا، لا أقول بياضا، بينها وبيني. وثمة نصوص أخريات لا تمنحني ماءها، لأنها تغلق بئرها في وجه عطشي المتأجج.

نص وجدان، يهب جماع فلواته للمتلقي، يفتح كل ٱباره في وجه العطشى، الذين يدركون قيمة ماء لا يشبه سوى نبعه الثر، وموارده الفياضة، السخية.

"أنا حين أنظر إلي النص 

فأجد فيه وجهي أحبه، 

أنا أحب النص الذي يكتبني، 

ويقول ما لم أستطع 

أن أقوله في كلام كثير، 

حين أرى وجهي 

منطبعا على مرايا النص 

أعشق هذا النص".

في أزمنة موغلة في الشتاب، التشظي، والجفاف، أضحت فراديس النصوص صحارى قاحلة. وكم نادرة هي الواحات 

التي يصادفها القلب، هنا وهناك، وهنالك.

الأشهى إذا كانت نصوصا 

تسمع في أفضية فراديسها 

صرخات شهرزاد في وجه شهريار..!!

وهل ثمة أشهى من نصوص نضرة، تأتيني، تباعا، من طرف اليد المخضرة، الخضلة، لوجدان الصائغ..؟!

(7)

توقفت ناقدتنا الحصيفة، كثيرا، أمام سؤال إشكالي يرتبط بالتقسيم العقيم (كتابة نسائية مقابل كتابة رجالية)، وكأن النص يحمل، في أسفله أو أعلاه، الهوية الجنسية لمبدعته، ولمبدعه..!!

ها أنا أنصت إليها، لكي أعي عمق الإشكال، وها هي تنسف الحدود الوهمية، لكي تنتصر لاستقلالية الجمال الإنساني المتمثل في النص، لا في اليراع:

"أنا لا أقسم، ولا أفصل، 

وكتبي لا تعاني إشكالية التقسيم.

أنا أقرأ الرجل كما أقرأ المرأة، 

وحينما أصافح فكريا هذا النص 

أجد فيه بصمة رجل، 

وحين أصافح فكريا هذا النص 

أجد فيه بصمة امرأة.

ونص بلا بصمة ليس نصا.

النص مرآة، 

وأي شرخ في هذه المرآة / النص 

يشوه هذه الفكرة"..!!

وسأظل محتارا، يطوح بي سؤال غريب: ما علاقة طبيعة الأنثى البيولوجية، والنفسية، وظرفها الاجتماعي الخاص، بصوت النص المكتوب، أكان ناعما، أو خشنا..؟!

(8) 

على الملأ، أعلن أنني من عشاق لغة وجدان الصائغ، والذي يراني مبالغا، أحيله، مباشرة، على قراءة كتبها، كي يلتحق بالكثرة من عشاق حسن لغتها: "الصورة البيانية في النص النسائي"، "الصورة الاستعارية في النص الشعري الحديث"، "الأنثى ومرايا النص"، ثم "نقوش أنثوية: قراءة في النص النسوى السردي والشعري".

تتبدى لي لغتها وهي مفتوحة على السهول، متخمة بالفقد، وموارة بٱيات الانبعاث، الاحتراق، الوجع، ونواح يجيء من لدن أرواح مشروخة بشظايا الوقت.

فاعلية وكثافة الصورة البيانية لدى هذه العراقية المضاءة بوهج الاختلاف، تنبني على توظيف جسدي، شهوي، للغة، باعتبار أنها تتذوق الكلمة، قبل أن تكتبها، برغائب قلبها، لا بانتقاء ذهنها.

هكذا، تصبح "الكتابة بالجسد"، المفهوم الذي اقترن بكثير دراسات نصية لها، استصراخا واعيا للذاكرة اللغوية التي أضحت تتشكل، تكوينا، مناخا، وهوية، داخل الجسد، عبر نداءاته المحمومة، ونزواته الملغومة.

"النص هو الابن الشرعي لصاحبه، 

والقصيدة النسوية 

تعكس تفاصيل وهموم عالم الأنوثة، 

من أمومة، ومواجع، 

حتى خروج القصيدة من 

قمقم الجسد إلي سعير الراهن المعاش".

(9)

قد لا أكون أفضل من كتب عن البهية وجدان الصائغ، هذا حلم عسير، بعيد، قد لا أناله.

وقد أكون أول من كتب عنها بحبر قلبه، لا بلغة يده، وهذا شغف أهجس به، ويحتمل جدا أن أناله.

وسواء أكان حلما، 

أو تبدى شغفا، 

ستبقى وجدان

بصمة حبر عصي عن المحو،

مسكنه رحاب الوجدان.


مقالات دات صلة

التعليقات