أين موقعنا من الديمقراطية الثقافية... ؟

أين موقعنا من الديمقراطية الثقافية... ؟

أين موقعنا من الديمقراطية الثقافية... ؟

   بقلم محمد أديب السلاوي  

-1-

تجمع الأطروحات الثقافية الحديثة على أن "الديمقراطية الثقافية" هي أن يمارس الشعب حقوقه في التعليم وفي التعبير عن أرائه بحرية، وان يمارس اختياراته السياسية والفكرية ومعتقداته الدينية والفلسفية بحرية، وهو ما يلتقي مع مفاهيم وقيم الديمقراطية التي تعني في الثقافة الحديثة ممارسة الشعب لسيادته على نفسه. 

وتؤكد مختلف المرجعيات الفكرية في الأنظمة الليبرالية كما في الأنظمة الاشتراكية، أن الديمقراطية بقيمها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية هي كل لا يتجزأ، لا يمكن أن يكون وجودها الفعلي خارج مؤسسات، يمارس الشعب من خلالها سيادته وحقوقه.

من هنا تأخذ العلاقة بين الديمقراطية والثقافة شكلها الواضح.فكل ديمقراطية في غيبة الثقافة تصبح لا معنى لها / تصبح لاغية، ومن ثمة تصبح هذه العلاقة تشترط معيارا وجوديا. وهو ممارسة الحرية في التعبير والتفكير والاختيار والانتماء الفكري والسياسي.

-2-

 فالحرية في نظر مختلف الأطروحات المرجعية التي عالجت المسالة الديمقراطية أكدت/ تؤكد أن أساس التنمية الثقافية وعمودها الفقري وشرطها الضروري و الأساسي هي الحرية /هي التحرر من قيود السلطة والتسلط.

الإنسان لا يفكر، لا يبدع، لا ينتج، لا يعبر بصدق وشفافية، ولا يختار موقفه وانتماءه وموقعه الوجودي، لا تتفق مواهبه الخلاقة خارج مناخ الحرية، الذي يشعر من خلاله بالأمن والأمان والاطمئنان على نفسه وحقوقه.

ولان التنمية الثقافية ذات ارتباط وثيق بالديمقراطية، فبناؤها يستوجب تحطيم الهياكل المتداعية، وكل ما أقيم على أسس خاطئة ليحل محل البناء الصحيح الذي يستوفي شروط الحرية في كل شروطها وقيمها.

-3-

بالنسبة لنا في المغرب، هناك المشاكل الناتجة عن وضع المغرب التاريخي والجغرافي وعلاقتها الحضارية بأوروبا وإفريقيا والشرق العربي، وهناك المشاكل الثقافية التي تولدت عن العهد الاستعماري، وعن السياسات الثقافية المتعاقبة على عهد الاستقلال، وهي نفسها المشاكل المرتبطة باللغة والأمية والتعليم والإعلام والاتصال. والتي أدت في النهاية غالى ما يشبه الأزمة في الحقل الثقافي والتي أصبح حلها يتطلب مراجعة شاملة لقطاع الإنتاج الثقافي، وتأهيل المواطن المغربي ديمقراطيا وثقافيا ليكون في حصن ومناعة ضد مختلف آليات التخلف الحضاري وآليات الغزو الثقافي العالمي.

 وهو ما يعني إدماج الثقافة في صلب دينامية المجتمع المدني، بإشراك هدا المجتمع في الفعل الثقافي / الديمقراطي / التنموي للعالم.

وبصفة مجملة يقتضي أمر هذه المراجعة :

تحقيق الاستقلال الفكري والقضاء على كل تبعية ثقافية عن غزو خارجي.

توسيع مفاهيم حرية الرأي والتعبير.

تعميم التعليم وتوحيده بهدف القضاء على الأمية والجهل وعلى كل مظاهر النخبوية والطبقية، وبهدف الإقحام بين مكونات الوعي الوطني والقضاء على كل وسائل احتكار المعرفة، ومن ثم ذلك عن طريق بناء المدارس ونشر الجامعات فقط، ولكن أيضا عن طريق نشر الكتاب والمكتبات وتكثيف برامج التنشيط الثقافي وتجنيد وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة،وتعميم المؤسسات والمراكز الثقافية المفيدة، من معاهد ومسارح ونواد تربوية وثقافية وفنية وغيرها.

تلقين التعليم باللغتين الوطنيتين، العربية والامازيغية لتعميق الوعي والفهم وتيسير المعرفة لكافة شرائح الشعب المغربي.

التحكم في وسائل الانتهاج الثقافي وأدواته )  الصناعات الثقافية / وسائل البحث العلمي / وسائل الاتصال الثقافي ( للتكم في وسائل انتشار التنمية وتوسيعها، حتى لا تبقى ثقافتنا ارستقراطية مرتبطة بشريحة ضيقة من المواطنين، مترفعة ومحصورة في دائرة ضيقة، لا تخدم التنمية الوطنية ولا أهدافها.

-4-

إن مثل هذه المراجعة، التي تهدف بالدرجة الأولى إلى بلوغ درجة راقية من الوعي، وتحقيق مرتبة عالية من الحرية والديمقراطية، لا تتطلب الإمكانات المالية أو الوسائل التكنولوجية وحدها، ولكنها أساسا تتطلب بناء جبهة داخلية متراصة الصف، تخوض بوعي وتبصر معركتها الشاملة ضد الأمية والجهل والتخلف، بهدف كبير وهو التغيير والتطور والتجديد.

إن الديمقراطية بدون وعي تطل نظيرة بلا تطبيق، كذلك الأمر بالنسبة للتنمية والثقافة...لأجل ذلك اعتبرت الأطروحات الثقافية المعاصرة، أن التنمية الشاملة تساوي شمولية الوعي، وأن هذه الأخيرة تساوي الديمقراطية الثقافية التي تصبح في نهاية المطاف مظهرا من مظاهر الديمقراطية بمفهومها الكامل والشامل...

السؤال المحير : أين موقعنا من الديمقراطية الثقافية...؟

 



مقالات دات صلة

التعليقات