"نوران ابو طالب" من أرض الكنانة.. صوت جيل جديد في صحوة فجر (بكرة )!!

"نوران ابو طالب" من أرض الكنانة.. صوت جيل جديد في صحوة فجر (بكرة )!!

"نوران ابو طالب" من أرض الكنانة.. صوت جيل جديد في صحوة فجر (بكرة )!!



آربريس : القاهرة باريس / عبد الرزاق عكاشة

** المشهد الأول**

بهدوء شديد بدأت أستعيد اتزان خطوات أقدامي ...." انتبه سيدي !! أنت في داخل  ساحة الأوبرا المصرية "

    أما خارجها كان المشهد مختلف .....رجل يرتدي نظارة ذهبية. ..وساعة نادرة... وبنطون أحمر...وجاكيت أزرق سماوي فاتح ... ينتظر سيارة أوبر Uber.... عشر دقائق  من التوتر ...لأن الجمهور خارج الأوبرا  .. يظن أن هذا الرجل ينتمي إلي بدعة الفنان الشعبي (شعبان عبد الرحيم  )في ألوانه المبهرة والفاقعة !!

في داخل الأوبرا المصرية.... جمهور شباب( فرست كلاس) بطريقة  هذا الزمن  التي يراها المواطن المحلي ..أنها تنتمي لأسلوب وطريقة (الشعبانيات) . 

وبدأ سؤال يخطر علي بالي :  *ياتري هل تعرض أحدهم لنفس مواقفي ؛ وهم يرتدون مثل ملابسي .. كوتشي علي بنطلون بدلة ملون ...  وجاكيت قصير ؟!

 بينما كان هناك بنات قمرات في أزياء السهرة بين الحديث والقديم. 

 لقد شعرت أن الموضوع  عقد علي حافة الانفصال المجتمعي لكن  بشكل مختلف ؟  انفصال ليس أغنياء وفقراء...مثل كل الحقب التاريخية السابقة، لا ، إن الانفصال هذه المرة ( فكرى) ويصل لحد العقائدي في  مقامه الأول .

لقد امتلأت الأوبرا بشباب يسعي للوصول إلي حالة وعي بكل الطرق .... يبحث عن نفسه وسط كل أكوام القش والكبارى المتراصة أمامهم و التي تحجب الرؤية والوعي خارج مجتمعهم..

هذا الانفصال الاجتماعي في مصر سيكون مختلف جدا  هذه المرة....انفصال اجتماعي بين الأسرة الغارقة الواحدة اباء وامهات غارقين في المحلية ...والتوقف عند  الشيخ الشعراوي. وشباب يزحف نحو عالمية مختلفة وبعيدة تماما

الشباب هنا في الأوبرا  ....شباب علي تواصل مع الإنسانية في دينا اخري.لايريد أن يستمع ويفهم لغة الماضي المنفصلة عنهم تماما .

 علي باب الأوبرا  وقف  المثقف الأهم ...والموسوعة المسرحية الثقافية والتشكيلية ...العالم الجليل  (أسامة أبو طالب) .. صديق الأخويْن( سيف.. وأدهم وانلي) .. وكذلك (حسن سيلمان) ومعظم التشكيلين في مراحل متعددة.

استاذ دكتور أسامة أبو طالب ... هذا العالم... القاريء  الجيد للمشهد ...والذي انعكس علي ابنته الفنانة  (نوران أبو طالب)  علي المسرح..وقف ينتظرني...بقدم ثابتة في أرض الترحاب... وقدم أخري ثابتة بمشبك من القلق والحب  علي نوران الابنة... بنت وصوت جيل هذا الشباب. 

**"المشهد ااثاني ** 

في الأوبرا قابلت شبابا راقيا ..مهذبا... وبنات في زي السهرة ... لم أشاهده في القاهرة من زمن... اللبس القصير والأناقة... ويد كوفير يبدع في شعر البنات المتمردات  ..        في عيونهن رومانسية مصحوبة باضطراب  وقلق ...كأن هنا حالة عدم رضا علي الحالة الاجتماعية العامة .. التي تتوارى تحت الظرف والشياكة.

شباب بدأ يحمي نفسه بنفسه .... يسمع ما يحب ويذهب بعقله إلي أبعد نقاط عن أعين الآخرين المتربصين ... بعدما  فقدوا الأمل في الكبار... وضياع وصايا أولي الأمر من السابقين. جيل قوانينه مختلفة ..ثقافة هي الااختصار والاإنجاز... ولخص مبادئه في ان (لا أيمان بجمل  قديمة..ولا نميمة السابقين ..) جمل تستخدم في الخطاب الاجتماعي المحلي  الحالي ... جمل يؤمن بها الآباء  والأمهات نموذجا                               (نور عنينا) !!

 هذا جيل مختلف .. لا أحد يدرس أو يفكر في قضاياهم المختلفة...  هولاء هم أول جيل في تاريخ العرب يظهر تعاطفا كبيرا لمن شابه من جيلهم مع بنت  (انتحرت في كندا) بعد ان عذبت علي افكارها  في وطنها . لم تستطيع ان تعيش مع السجان في وطن واحد.، ولم يقدم لها الغرب الحل بمزيد من الحرية المزيفة...جيل تعاطف مع (سارة ) رغم ان شيوخ الدولة الرسمين وغير الرسمين... أظهروا  سخرية من الشباب ...وعصا الغلاظة وسيف المعز  في وجه المتعاطفين ... رافضين دراسة الحالة علميا  واجتماعيا... بدلا من دراسة الظاهرة ...ولم يكن هناك  خط وسطي لتفهم حالة التعاطف من هذا الشباب ..  بشكل علمي يسمح بتصحيح المسار!!. 

أسئلة و أسئلة!!  وأنا أتأمل كل التفاصيل قبل خروج المحامية.. والحقوقية ..والإنسانة ..و التي درست حقوق انجلش ...وسافرت الي أكسفورد .. وقدمت محاضرات هناك... إنها  الفنانة " نوران أبو طالب". 

  وقفت نوران أبو طالب علي المسرح المكتمل عن آخره من هذا الجيل. ..جيل  ذكي رائع ..ينتصر لنفسه بأقل الإمكانيات... جيل خارج صندوق الوصايا ال٣٥ من الآباء للأبناء!! .          

  **المشهد الثالث **    

 واثقة الخطي (نوران )تمشي ملكة.... قدمت الفرقة  بثقة ...مخارج الحروف دقيقة ومضبوطة... 

هنا يأتي الصمت والدهشة.  رويدا ..رويدا بدأت تعطي للمستمع مفتاح الأمان.... فحين تسمع اللغة صحيحة فأعلم أنك بدأت  تجهز عينك للسماع... بأمان واطمئنان لقلبك أنك أمام حالة وعي ثقافي مختلفة.( انتبة) .. مكانها الصحيح هنا في الأوبرا !!

نعم !! مشهد بدأ يكتمل أمامي....كانت ترتدي فستانا رقيقا... أحمرا ذكيا...محترما لائقا... تخرج منه زهرة لبكرة ..       

  ** المشهد رابع **

بدأت "نوران ابو طالب"  تختار أغنية وراء أغنية ... اسم تلو الآخر ...تسيطر تماما علي قطاع الجمهور الكبير ..بمحبة وصداقة وشوق للجمهور الذي غاب في لحظات تاريخية لهزيمة الإنسانية أمام وباء كورونا... 

 بدات تغني لنا ما يحلو لها. ...لا تهتز بطريقة توحي بأي معالم ساذجة....واقفة مثل نخلة صغيرة واثقة. 

 إن الثقافة هي الأساس في اختياراتها....تغني ل عبدالرحيم منصور. ..الرحباني... التراث التونسي...

 أغنية عن لوحات "فان جوج "  شاركت في ألحانها.. هنا كان الأمر مختلفا ... القصة مدهشة... أوقفت كاميرا التليفون التي تسجل الحفل. ...بدأت أعيد التأمل.

** المشهد الخامس والأخير.. **

 انتهي الحفل ...نزلت وتركت المكان. ..بين دموع الفرحة بجيل جديد عبقري ينتصر لنفسه ولقوانين يصنعها الجيل بنفسه ...وبين فنانة بنت ورائها مصنع ثقافي ضخم..قام بتربيتها وصقلها ... الأب... فارسا للثقافة...  والأم نسرين ...دكتورة مغنية كونسرفتوار. صاحبة خبرة.. تري في البنت الحلم الممتد .. وأصدقاء الأب الكاتب عادل سعد. ..والكتابة هالة البدرى. ..والقاضي الجليل.

 مصنع كامل !! تستمد منه "نوران " ثقافتها الضخمة علي المسرح... بقي شي مهم.. أن نوران أبو طالب كانت ثقافتها ... إنسانيتها .. علمها... رقم واحد علي المسرح.. والصوت رقم واحد مكرر..

 لكن اليوم التى تكرر فية نوران الوقوف على مسرح الأوبرا  مرة اخري  يكون صوتها رقم واحد !!والثقافة رقم واحد مكرر اي العكس 

   وذلك بالاعتماد علي زيادة رقعة أغاني شباب جيلها أكثر. من ان  تختار من الأغاني اللبنانية والتراثية. التي ترتفع فيها الثقافة علي الصوت.  حين تهتم بشعراء جيلها.ستكون رقم واحد في قلب كل الشباب العربي. بلا منافس 

   أمس لم أكن في حفل أوبرا نوران ابو طالب فقط...إنما كنت في زيارة لمصنع كامل من الثقافة. ..بنت غارقة في الوعي و البحث. وأب عالم ...وام تقف خلف علم بنتها... وأم يرفع لها القبعة... عرفت وفهمت وآمنت بالمنتج وزمن انطلاقه. 




مقالات دات صلة

التعليقات