لو كانت صفحة الفيسبوك منزلا وأنت الضيف؟

لو كانت صفحة الفيسبوك منزلا وأنت الضيف؟

لو كانت صفحة الفيسبوك منزلا وأنت الضيف؟

د.محمد الشرقاوي

خاطرةٌ عابرةٌ لا بدّ منها قبل أن تأخذني مشاغلي إلى تسخير ما في عصبوناتي الذهنية من طاقة في تركيب معادلات نظرية تجريدية وأمور أخرى في التحليل والكتابة.

لو كان الفيسبوك منزلي وأنا أفتح الباب ردّا على قرعك الجرس، فتكون أنت الضيفَ القادمَ على الرحب والسعة. فأومىء إليك بالجلوس في صدر الصالون حيث تشعر أنك مركز الاهتمام والتقدير. استقبلك استقبال المحبة والعزّة، وأنا مبتهج المحيّا وفي يدي صينية الحليب والتمر: عُرْفٌ أتّبعه تلقائيا مع كل قادم عزيز ينفتح له القلب، وتطيب له النفس.   

كما هي ضيافة المنزل، تنطوي ضيافة الفيسبوك على جدلية تنمّ عن سلوكيات حضارية متبادلة، وتجسيد يتسم بالرقي والرقّة لدفء هذه الحميمية الاجتماعية في أفضل تجلياتها بين مضيف لا يتردد في كرمه وبشاشته وضيف يُفترض فيه إبداء اللياقة وخفة الظل وفراسة الذكاء الاجتماعي. 

متصفّحو هذه الصفحة والمعلّقون عليها ضيوف في بيتي، لكم كامل مودتي، فلا تمييز بين صديق فعلي و آخر افتراضي. غير أن المقارنة بين أساليب التفاعل والتعليقات تكشف أنهم حتما فِرَقٌ وشِيَعٌ وليسوا من صنف حضاري واحد. جلّهم يكتبون تعليقات تنمّ عن فهم جيد وإبداء الرأي، سواء كان اتفاقا أو اختلافا، مع أفكاري. وأنا أعتز  بجدلية النقاش معهم وأقدّر وجودهم في جلسة الأخذ والردّ والسجال النقدي الجادّ. 

لكن ثمة بعض "الضيوف" ممن يعمدون إلى إقحام تعليقات ما خلق الله لها من مثيل، أو يفرضون إسقاطات متخيَلة قادمة من مجرّات بعيدة عن فحوى التدوينة. هم يلوون عنق المغزى من التدوينات، أو يزجون بعبارات وطروحات غريبة لا تمت بصلة، أو يدفعهم اعتدادهم بذاتيتهم إلى حشر شطحات يفتعلونها لجلب الاهتمام إليهم. يطيب لهم أن يعتدوا بأنهم "أصحاب رأي" يعلّقون على كل شيء ولا شيء، ويظلون حبيسي التخندق في مربعات ذهنية ضيقة تحملهم على إقصاء رأي الآخرين، أو التطاول على تعليقات غيرهم، فتمنحهم نشوة دون كيشوت في معركة تحطيم طواحين الهواء.

هم انفعاليون ولا يقوون على النقاش العقلاني بعدوانية عقائدية من شدة حماستهم للدفاع عن دوغمائيتهم الدينية أو الحداثية. وتمعن بعض التعليقات أحيانا في لغة مسمومة وسلوك أقل ما يقال عنه إنه فظ ويحتاج لساعات طويلة من "السنفرة"، على غرار تهذيب الخشب بالورق الخشن المقوّى، ليدخل إلى الحضارة من خشونة البرية. وهذه سلوكيات تعصف بالغاية من هذه الضيافة الفيسبوكية في الأصل، وتنسف روحها ومغزاها الاجتماعي الحضاري. 


ولن أجاري هذه الفئة في ميولها إلى العدوانية التلقائية أو استفزازها المحبَط وليس المحبِط لي وبقية الضيوف، بل أكتفي بتذكير مختزل بصيغة اللبيب بالإشارة يفهم: ببساطة، مساحة التعليقات في هذه الصفحة لا تزال تشملها آداب الضيافة ومراعاة انتهاك حرمة البيت وأهله وضيوفه الكرام. ومن لديه غثيان فكري أو يشعر باضطراب في الهضم الذهني ألا يلفظ حموضته هنا. 


ثمة فئة أخرى تميل إلى تصنيف تعسفي لهذا "الشرقاوي"، ومن يكون حقيقة بين القبائل السياسية والعشائر الفكرية. فتهيم مخيلاتهم في حشره في خانات ضيقة، أو نسج علاقات "التعصب الأيديولوجي" أو "التواطؤ"  له مع تيار أو حزب بعينه، أو نظام أو دولة أو فلسفة سياسية بذاتها. 

كتب أحد المعلقين عن دراستي عن تطور الاتحاد الاشتراكي يقول "إن أصعب شيء يمكن أن يضلل القارئ هو أن يتم التحايل به فكريا من طرف سياسي في جبة مثقف أو سياسي في جبة رجل دين." واستغرب صديقنا من قدرتي على استيقاء المعلومات من مصادر موثوقة، والتي تضفي المصداقية العلمية المطلوبة ولا يستطيع دحضها، قائلا "أنت مقيم بأمريكا، فكيف تستقي بعض المعطيات السياسية البالغة الدقة جزء منها يكون حدث في اجتماعات رؤساء الأغلبية وفي اجتماعات مشمولة بالسرية، فكيف توصلت لها وكيف تجعلها حقائق علمية ومسلمات قابلة للترييض والقياس؟"


في المحصلة النهائية، ينتظر هذا الصديق مني، كما قال، "أن تكون مثقفا مشتبكا بالواقع وغير متقوقع في برج عالي لتجيب على هذه الأسئلة."

ليعذرني صديقنا على غبائي، لا أعلم كيف يكون من المنطقي أن أكون كاتبا يستقي معلوماته من "مصادر موثوقة" على حد تعبيره، وأن أكون في آن واحد "متقوقعا في برج عالي"، بنفس لغة صديقنا. 


لا أسلم من هذه التصنيفات الجاهزة لا في السياق المغربي والعربي، ولا في السياق الأمريكي أيضا. أحد المعلقين قال بنبرة الواثق ممن اكتشف حقيقتي أخيرا بعد طول متابعة وتمحيص: "يبدو لي السي الشرقاوي انك ديمقراطي بلباس سياسي." 

لا أريد أن أرهق عقول أصحاب هذه التصنيفات، ولا أن أصبح أنا الموضوع. لا يصعب تعقب الحقيقة في ثنايا كتاباتي ومواقفي حول القضايا المحتدمة حاليا مغربيا وعربيا وأمريكيا ودوليا. وليس هناك تصنيف موضوعي أو عدالة متبصرة في محاكمة أي كاتب أفضل من تشريح أفكاره واستقراء سطوره المدموغة بالحبر الأسود بشكل نهائي. 


لا أتوارى ولا أنكر تورّطي، بل مستعد للاعتراف بأخطر جرائمي وأني في حالة فرار من "العدالة" بين شتى الجغرافيات. سأوضح كافة جرائمي وأضع بصمتي وتوقيعي على مذكرة الاعتراف: "أقرّ بأني ديمقراطي وجمهوري، وليبرالي ومحافظ، وتقدمي ورجعي، ورأسمالي وشيوعي، وترمبي وبايدوني، وشعبوي ونخبوي، وإخواني وعلماني، وتقليداني وثوري، وقومي وكولونيالي، وسائر المتوازيات المحتملة بلباس سياسي." بيد أني سأعترف بما هو أخطر من تلك الجرائم وأشد من جميع الكبائر السبعة: أنا أقترف جريمة التفكير النقدي في كل اتجاه وعبر كافة المؤسسات، وأحرّض على ثنائية النقد الحرّ والنقد المضاد الموضوعي، إذا كان لكم في ذلك سبيلا!. 


مقالات دات صلة

التعليقات