ناثان دوس بين النحات والمفكر.. المجد للريح سيد الفراغ

ناثان دوس بين النحات والمفكر.. المجد للريح سيد  الفراغ

ناثان دوس بين النحات والمفكر.. المجد للريح سيد الفراغ







القاهرة / عبد الرازق عكاشة*

في مدينة ترتعش  فيها الأرض أربعة وعشرين ساعة في اليوم. ثلاثين يومًا في الشهر... ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا في العام.. في مدينة عرجاء ... يقلد فيها البشر بعضهم البعض. ..حتي وصل التقليد حد الحسد..   وسار  الأغلبية أرجوزات!!

 في تلك المدينة التي أصبحت حفرة ومطب... والتي مر منهاو عبرها كل البشر.... لدرجة ألا نجد أحدًا يندهش... غير القلة أو ربما  المندهش الوحيد هو الساذج الذي يمجد الرياح... فالمجد للريح سيد الفراغ...  أوالمجد للقديس الذي يحرٌض الناس للنظر وتمجيد الثوابت .... وشيخ الجامع الذي ينادي كل صباح علي الجيوش للعودة للخلف حتي النصر !! ..

 في تلك الحفرة أو المدينة المجد للسيد (اكس)..  والتصفيق الحار للملك الوهم...في تلك المدينة التي كانت تحبو كل صباح نحو الأمل... لكنها أدمنت الحبو... فنسيت المشي. وأصابها الشلل والعجز.

 شي واحد ينتشل قلبي من الوجع...  شجرة باثقة... أو ربما فرع أحضر ... ينظر في فضاء آخر لانعرفه... يبصر في إشارات داخلية  لانقف أمامها ... واحد اثنين ثلاثة.اربعة  ربما أكثر  ...لكنهم قلة. 

 يسمون بين قوسين (افنجارد) . ..وبين ظفرين( طلائعيون  مجددون) ...  قلبي يصفق لهم ...يرتعش أمام منتجهم... يهتف في الفراغ هناك أمل... يهتف في القاعات المفتوحة الافق توقفوا عن العدم ... فهناك حلم قادم مع  هؤلاء .. الفنان المفكر أو العكس.    

  المفكر الفنان ناثان دوس

  _المفكر  الفنان  في أول زيارة.... شعرت أن من يخاطبي مفكر فنان...صراع الأفكار ... مع جماليات النص النحتي..تنصر الأفكار أحيانا ... ولها  الأولوية في أول زيارة.... كان انتصار الفكرة. ..التمرد. الأفق المفتوح الذي يخاطبنا منه الفنان. في تمرد اجتماعي سيكولوجي وعقائدي. 

 التمرد في شكل. ومنظومة الوطنية المزيفة.. ومن ثم الدين الشكلي.. إعادة صياغة النظم المرائية واللامرائية.. الطاقات الفكرية التي تتضفق من تمثال خلف الآخر ... من المثقف  الوهمي ( علبة البولبيف) ... الرأس الهشة ... المهزورة المفتوحة نصف فتحة من الأمام. 

 فحين أنه أغلق العين. وجعل منها رأس مفتوحة علي العدم. وعدم الفهم (الغباء.) . كادت تسقط الراس من علي العمود المزروع داخل قاعدة حجرية...مع غياب العين أو صمتها أو غلقها جعلنا ننظر للتمثال في فتحة رأسه ...الشيء الوحيد.. (الفراغ المفتوح علي وهم وعدم ).. ومن هذا التمثال  إلي الرأس المحطمة ... ثم إعادة صياغتها في شكل نحتي ابتكاري للفنان.

 في كل قاعة كانت الأفكار أسرع من بعضها والطاقات التحريضة علي المطالعة اعلي. طاقات روحية تسافر بك وبنا الي مناطق شائكة لدي هذا المبدع ..اماعمل  المثقف الرقمي بين قوسين (دراز) ذلك المختبئ  خلف (الكي بورد) ليكتب ويهاجم ويسب الشرفاء... يسطر التقارير المزيفة... إنه المواطن(اكس) ومدام (اف).. سماعة ودرع وهمي. 

 في كل قاعة أنت أو نحن أو أنا  أمام ثائر داخلي ... مفكر هايل من أبناء (رودان) .. فالفرق بين رودان والسابقين. ..كان هذا العشق للأفكار التي أخذت النحت إلي عالم جديد.. فإذا كان دولاكروه.  كروبيه،  وسيزان ثم اتبعهم الغاوون. هم المجددون في دماء  التصوير الزيتي. 

فان رودان ، وكمي كلودل هو وحبيبة (الآباء الروحين) الذين أضافو إلي النحت فلسفة  ورؤيا جديدة... هو رودان مؤذن عصر النحت المعاصر ثم تابعه الغاوون بمسافات !!.. 

 ونحن اليوم.. أمام مفكر نحات مصرى من تلك السلالة المجددة.(ناثان دوس) الذي  ينضم إلي مؤذنين التجديد والافنجارد العربي.. ينضم إلي كتائب الطلائعين بما اضفي من أفكاره علي مفهوم النحت..امثال العراقي احمد البحريني .

 زيارة رقم 6 النحات المفكر (في زيارتي الثانية )

     بدأت أعيد القراءة .. أؤجل قراءة فلسفة العمل ...رغم وجود الفنان معنا .. ومحاولة قراءة الأعمال بهدوء... فكان يتحدث حديث ممتع مثقف  رصين... وكأننا نعرف بعض من سنين....رغم أنه أول لقاء مباشر.

كان جيد السرد. ذكي الحكي.. لكن عقلي انا  كان يتأمل في هذا اليوم شئ اخر.. اقراء نصوص جودة التمثال ... رصانة النحات. التفاصيل النحتية.. الكتلة ...البناء التشخيص .. الفهم.  حتي للنفس( الشهيق والزفير) وانعكاسة في استطالة التمثال أو رشاقته. ..طريق التنفيذ في المسبك... الوعي بالتشريح والتمرد عليه.. تحديدا في تمثال عازفة التشلو  وتمثال حواء.. وتحليله للجسد بطريقة نحتية أقرب لفكر وتحليل الفنان المهندس إلنشنسكي.( عميد فنون جميلة باريس في الستنات) واحد من  أهم أقطاب جماعة كوبرا.

في الحقيقة أنت أو أنا لحظة  ختام  زيارة المعرض نمسكك الأفكار بين ذاك التمثال وتلك الفكرة .. لندرك علي الفور أننا أمام نحات مفكر ..ومفكر نحات ... يسعي جاهدا لتقديم رؤيا مختلفة. ...نحات مميز قدير ...ولاعب شاطر في عقول المشاهدين. ...ومفكر حريف في تسديد الفكرة تجاه المرمي.وحصد هدف وكاس جديد .. أعمال غير  التي اعتدنا عليها في معظم المعارض ... 

  فليس كل أعمال النحاتين في تلك المدينة محزنة ...ناثان يعيد لنا التصالح البصري والفكرى ..قي  تلك المدينة التي بدأت تصرخ من التقليد تطلب كل ليلة رقم الإسعاف من مرض الغش. لكن الأرقام لاترن حتي تموت من الفساد .

 نحات مفكر ...يقف قلبك علي أطراف شراينه ..ويصفق له طربا.  ( ناثان) دوس مفكر فنان أو العكس. أو الملخص هو الفنان المفكر  الذي أضاف إلي قاعة الزمالك. التي نجحت تلك القاعة في إبراز جماليات الأعمال ... فيحسب للفنان أنه أضاف للقاعة.. وللقاعة التقدير.. أنها قدمت هذا المفكر الفنان الذكي.

أبداعية التجديد. ومطالعة التفكير

قد يتهمك بعض الفنانين أو النحاتين بالانحياز الشديد في تلك المقالة للفنان ناثان دوس....وقد يعتبرك البعض الآخر منصفا من محبي الفنان... وأصدقاء مرسمه.

    فإذا أردت الاتهام بالانحياز..فتأكد أن لك الحق !! فلماذا لا انحاز إلي فنان قارب الخمسين من عمره ومازال مؤمنا بالمغامرة ... صادقا مع مايقدم.. قارئا جيد للخامة ( البرنز)... يبذل جهدا مميزا....غير مرائي في تجديد أفكاره أولا... ثم تجديد مايقدم ثانيا. 

    احترف الأفكار وولع بالخامة... فالتجول عزيزي وعزيزتي في المعرض عبارة عن فسحة عقلية ..  رياضة لتنشيط العقل بين تمثال المنحرف شمالا... من كثرة فهم الدين خطأً كاد يتخيل أنه حارس الدين والرب. ...وتناسي أن العكس هو الصحيح.... حتي وضع نفسه في حالة سقوط تحت البرج الوهمي لأفكاره المتراجعة. 

هناك الكثير من الأعمال التي بها مرجعيات عقائدية.... كلنا كمثقفين بحاجة إلي التفكير فيها.. إلا شخص واحد قدمه الفنان في شكل مثقف بليد المشاعر يستند علي ثلاث جرائد قرأها وتناول كوب الشاي... ولم يفعل شيئا غير كبت جناح غضبه ... مفضلا الجلوس في شمس مقهي وسط البلد... أفكار تنهض وأخري تتصارع. ..

  هو الفنان نفسه( ناثان )حالة من تلك الصرعات وآليات الثورة والتجديد... لكنه محافظا  علي تراث القرية في الصعيد.. فنان مركز جدا. لا تخرجه الزحمة. ..ولا الأسئلة عن تركيزه والسيطرة القوية علي محبس أفكاره المفتوح علي مصرعيه بذكاء ووعي... ورؤية متجددة... مفتون بالخامة والتجديد. وقراءة ما لايُري بالعين المجردة. ..بل الأكثر أنه يحافظ علي أدق التفاصيل. 

   فالبداية كانت  في أول اتصال تيلفوني بيننا ...فكرت أن لا أكتب وأن لا أزور المعرض تانيا ... لاحساسي بأن الفنان يفرض وجه نظره فقط .. وأحادي التفكير يسمع نفسه ولايسمعك.. لكن بعد اللقاء وزيارة المعرض ثانيا ...بالعكس أدركت أني أمام حالة فنان من تلك النوعية التي أنحاز إليها دائما....لأن له فكر مؤسسي حريص علي التفاصيل الدقيقة في تقديم عمله وعرضه بذكاء شديد... لايغامر في ترك الناقد غريقًا بين القاعات.... إنما يصر علي مده بالمعلومات الصحيحة وهذا فكر محترم. ..لا مغالاه فيه  بل العكس. فيه من كارزما وعمق الفنان مايجعله يطرح فكره الثرى بالجودة التي يرغب فيها كفنان.. ،. معرض مهم جدا . به الكثير من ممارسة الذكاء وفطنة الفنان وجودة النحت. والانتقال الفكرى المجدد كنحات.

*فنان تشكيلي وناقد

*رئيس مهرجان شمس العرب بباريس





مقالات دات صلة

التعليقات