التشكيل وفكرة البحث في المُتلاشيات عند الفنان المغربي خليل غريب

التشكيل وفكرة البحث في المُتلاشيات عند الفنان المغربي خليل غريب

التشكيل وفكرة البحث في المُتلاشيات عند الفنان المغربي خليل غريب



بقلم: د. محمد الشاوي (*) 

   يعتبر  الفنان طلائعي خليل غريب  من كبار فناني الشمال، سليل مدينة أصيلا، "الزَيْلاَشِي" الذي صنع وما زال يصنع فناً جميلاً من مهملات الطبيعة وملفوظاتها  لكي تتحول إلى أشكال هندسية وتصويرية وأخرى تجريدية، راسما لنفسه حدودا جمالية وتعبيرية اختص بها هذا الفنان الألمعي عن غيره من الفنانين بالمغرب.

   لقد أرخ لفن إعادة التصنيع والتركيب بمنطقة الشمال  خاصة والمغرب  عامة، في فترة سادت فيها اللوحة / الحامل إلى درجة التماهي، جاعلا من المهملات وبقايا الأشياء والمتلاشيات مذهبا فنيا يتمرد به على التقاليد الأكاديمية التي لم تستوعب بعد مفهوم الحداثة في علاقته بالتشكيل.

   فإذا كان الجيلالي الغرباوي رائدا من رواد الحداثة التشكيلية، فإن خليل غريب كان سبّاقا أيضاً بين بني جيله إلى حداثة تشكيلية. إنها حداثة   ليست في التعاطي مع تيمات اللوحة مثل الخروج من الشكل الواقعي للذات والهوية المغربية والتحرر منه بتوسل أسلوب التجريد، وإنما بالتعبير الجمالي الثاوي خلف المضمون الواقعي لحياة المواطن المغربي، وداخل المكونات المتلاشية للطبيعة التي تشكل جزءا منه،  أي تلك التي يُطَوِّعُها لكي تستجيب للعديد من المذاهب الفنية ووفق تصور خاص تفرد به هذا الفنان، إنه تصور يقربنا من معنى الموت ودلالته في كل ما ينجزه.

   إنه تعبير يجس نبض المجتمع المغربي وهمومه مع اليومي، إذ لا أمل بدون طموح وتطوير للقدرات والمؤهلات... تلك التي على أساسها يُخفي من خلالها خليل غريب أوراقاً متلاشية، أو بقايا خشب ألقته أمواج البحر، أو جزء من شبكة صياد قد نجد أثرا لها بالميناء أو برصيف شاطئ أصيلا أو على مقرب  أمواجه، أو تلك التي نجدها قابعة بمنحوتاته  التركيبية للعديد من بقايا  المتلاشيات المختلطة بالجير ومؤثثة بالكارتون، ومواد أخرى كقطع الزجاج أو مسامير، أو أحجار، أوالطين، أو بقايا فتات الخبر... يحضر فيها الإنسان ويختفي، لكي يشعر بوعيه ويدرك رغبته.

   إننا أمام أعماله يتسنى للوعي الإنساني بالذات أن يدرك ذاته بمعيتها، لا سيما حينما نحس بغرابتها تارة وبدهشة الوجود وقلق الحاضر الاجتماعي تارة أخرى. إنه يعمل على التطابق بين الوعي الفني ورغبات المتلقي، تلك الرغبات اللامتناهية التي ارتبطت حسب الفيلسوف دولوز وغواتاري ب: "الآلة الراغبة" أي الآلة البشرية التي تُنتج العديد من الرغبات، كذلك هو الشأن لأعماله فإنها "آلات راغبة" في حد ذاتها، آلات تنتج رغبات لا حصر لها في علاقتها بفكرة النسقية الجامعة لمنجزاته التشكيلية. هي نسقية تجعل السابق يؤسس للاحق، وكأنها تتقدم نحو الأمام، شبيهة بكرة الثلج التي وصف بها هيجل تاريخ الفلسفة وهو يتقدم بمذاهبه. يقول دولوز: " (...) وفي الحقيقة فإن الإنتاج الإجتماعي هو وحده الإنتاج القائم على الرغبة ضمن شروط محددة(...) فليس هناك غير ماهو رغبة وما   هو اجتماعي ولا وجود لشيئ آخر، حتى الأشكال الأكثر قمعا والقاتلة للانتاج الاجتماعي تم إنتاجها بواسطة الرغبة، وإن التنظيم المترتب عنها تحت هذا الشرط أو ذاك هو ما ينبغي تحليله."

   لا شك أيضاً  أن أعماله التي يحزمها بأسلاك حديدية تآكلت بفعل الصدء ويعمل على إحكام إغلاقها، خير دليل على تعتيم قل نظيره في الساحة الفنية. ربما يطرح تناقضات الحياة والموت، الوجود والعدم، الظاهر والباطن، الروح والجسد، الفينومين والنومين...

تلك التناقضات الميتافيزيقية التي يصعب إيجاد جواب شافي عنها، لاسيما عندما ترتبط بالأعمال المبهمة التي تندرج في صميم الميتافيزيقا. إنها تدفعنا للنبش في ذاكرة الطفولة وما إلتصق بها من مخاويف وقلق وصل إلى أبعد مداه لكي يُهدد حياة هذا الفنان الذي عمل على كبحه وإخماده حتى يكون من رواسب وبقايا الماضي العتيق المُشكل لروح أعماله.                                      ________________

(*) فنان تشكيلي مغربي وباحث في  الجماليات.


مقالات دات صلة

التعليقات