لوحة الحرية تقود الشّعب.. ثاني لوحات دولاكروا 5/3

لوحة الحرية تقود الشّعب.. ثاني لوحات دولاكروا 5/3

لوحة الحرية تقود الشّعب.. ثاني لوحات دولاكروا 5/3


  القاهرة ـ قراءة ابداعية : عبدالرازق عكاشة 

في الحلقة الماضية أو النص السابق تحدثنا بدقة التفاصيل عن أشخاص اللوحة يسار العامل  والبرجوزاي  والموتي  والمرأة  الناهضة النابضة رغم الاحتضار والانهيار .. علي يسار السيدة التي تمثل فرنسا الحرة ....

وهنا أقف في الحلقة الثالثة 3  عند نص الرائع الشاعر الفرنسي شارل  بودلير ‏( 1821-1867) في ديوانه ( أزهار الشر)  ورأيه حول يوجين دولاكروا سريعا.... (أما العلاقة بين الاثنين) فلها نص آخر نؤجله الآن.

يقول بودلير (عن معرض استذكاري ليوجين دولاكروا ، وفي قصيدة«المنارات» بالكلمات  المرتبكة والمحملة  والمثقلة بالدّلالات: وكأنه أي بودلير يصف هو الأخر شاشة سينمائية أو خشبة مسرح في شكل شعري ... يقول _وانتبهو للوصف ،

«بركة دم أحمر، تسكنها ملائكة أشرار 

النّزعة الخارقة للطّبيعة، غابة دائمة الاخضرار:                                      * الأخضر، المكمّل للأحمر، سماء مفجوعة:                              *خلفيّات لوحاته ( العاصفة والرعد)

 *الفرق الموسيقيّة  تعزف خواطر من الموسيقى الرّومانسيّة، التي تثير تناغم الألوان..».     

  **( دولاكروا ) يا بركة دم تسكنها ملائكة أشرار، وتظلّلها غابة  دائما الاخضرار 

    *تحت سماء مفجوعة، تمضي فرق موسيقيّة غريبة. كتنهيدة ،،،،،،، 

    _مايقوله بودلير هو وصف حسي شاعري رهيب تجاه أعمال يوجين دولاكروا ... خاصة في لوحة (الحرية تفود الشعب) تلك اللوحة الخالدة التي أقف معكم اليوم حول جانبها الأيمن  ووسط اللوحة.. متأملين تلك المراة  القوية رمز فرنسا ..  بالتحليل التشكيلي والمسرحي.. من حيث البناء التكوين حركة الجسد .. والأداء المسرحي في الخروج لأداء مشهدا تاريخي مهم .

    قبل تأمل المرأة عزيزي المتلقي .. سيدتي الموقرة.. أدعوكم لأخذ نفس حر .. وتأمل حركة التأهب لتمثيل حركة مسرحية بجدارة نحو الانطلاق والاندفاع إلى الأمام بكل قوة ووعي.. ملامح الوجة لتلك السيدة صاحبة  العيون المفتوحة اليقظة وسط وجه يتميز بالنضارة والجمال.. لكنه  أخذ وضعه الجانبي (مايسمي بروفيل) وكأنها تستنهض الشعب نفسه القادم في مشهد اثنين خلف الحرية ... أي أن الشعب قادم من  خلفها .. وليست الحرية هي القادمة من خلف صرخات الشعب .. فالحرية تقود، وليست آهات تطلق في الساحات .. وكأن الحرية لا تطلب ، أو لاتمنح الحرية حق منذ لحظات التكوين في جسد الأم وليست عطايا حاكم .. نعم !! فيلسوف أنت ياسيدي دولاكروا صاحب الكارزما وقوة العين، ونظرة الافنجاردست (المستقبلية الطلائعية)  .

  والسؤال هنا _الشرعي _ لماذا لم يجعل السيدة رمز الحرية تنظر إلى الأمام  وانتهي الأمر..؟. تأتي الإجابة من وضع الجسد نفسه .. وفلسفة البعد الإنساني .. لأن الفنان لو فعل ذلك  لكان حول  وجة نظر الجمهور إلى وجهها مباشرة، مبتعدا عن الرسالة الأصيلة  المقصودة، وهي( الحرية) والنهوض ..  وإعفاء المتلقي من  الدخول في  التقويلات والتفسيرات حول المرأة نفسها (من هي) ومن يقصد. و. و. ولكم في الموليزا العبري يا أولو  الألباب . . هنا يتدخل  دهاء المخرج دولاكروا بحركة  رهيبة تسمي (صياغة مسرح ) النسيج البصري في السنغرافيا.. ليصنع البطولة في لوحة (الثورة) للفكرة الأولى هي( الحرية..) الفكرة وليس الموديل المرسوم.،* ثم يخرج بنا  الفنان  من الوجه (البروفيل) بعد أن سجل رسالة وهدف صحيح ، إلى الجسد حيث ( الصدر العاري). بالظلال والأضواء علي هذا الصدر  ونلاحظ هنا سهولة تلوين الظلال وهو مالم يكن متعارف عليه من قبل.

 يلون الصدر  وما به جمال وقوة .. ومقياس حقيقي في هذا الزمن أو أي زمن ..  مقياس النضارة والجمال.  العطاء فليس هو الصدر الذي أوجعه الزمن فسقط من صاحبته وتدلي.،      ولأنها إنسانة حرة وليست سيدة ليل كما يتخيل البعض لمجرد أنها تركت صدرها يتعرى بهذا الشكل ..وفي حجمه الجمالي..

    ولا هو الصدر الصغير الشاحب ..  بلا دائرة حركة نابضة  .. اختيار الفنان  جمال الوسط .. لا تنسي أنه بحركة البساطة بالظل والنور، نزع من (الجمال الشهوة) فهو فنان باحث في الجمال الثائر، بعيدا عن الغرائز والإثارة.. فهو يقدم مكان ذلك كله  الحكمة، كما في المثل العربي القديم "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها" 

ملابسها في النصف تحت الصدر من أعلي الوسط  ملابس نبلاء هذه المرحلة .. أما عن عضلات وتشريح الأكتاف.. امرأة عافية. لاتطلب بل تقود . لاتنام بل تثور.. التكوين والتشريح لهذا الجسد ، كان يسمي جسد (سيدات المتوسط) إشارة إلى نساء الشمس في منطقة البحر الأبيض المتوسط. 

  ثم ينزل علي القاعدة العريضة  والخصر النحيف جزئيًا . ليقدم نموذجًا في الجمال يتماشي مع سيدات الفنان المصور ( رفائيل رسام عصر النهضة 1483) وكذلك سيدات  النحات الفرنسي .أريستيد مايول Aristide Maillol (8 ديسمبر 1861 - 27 سبتمبر 1944) فيما بعد .

 ثم يأتي سؤال جديد لماذا حالة شبه الإنحاء في الجسد _تشريح غريب. نعم لأنها في حالة تأهب وانطلاق استعدادًا للوثب إلى الأمام حركة مسرحية بكل تأكيد. في يدها اليسري الملونة بشكل ظلال قوية تحمل العلم نداء السلام عكس اليد على اليمين تجاه الصبي الشاب المستقبل القادم.. الشباب يحتاج دعم قوي .. فيدها تجاه الشاب تحمل بندقية .. والعالم ينادي تحت  الثوار قادمون، البندقية في اليمين تنادي الشباب بالقوة.. والشاب الصغير في اليمين يستقبل النداء ويخرج هو الأخر بالمسدس  لتغير حتمي لمستقبله.. فرضية حتمية التغير يمينا. والسلام والثورة شمالا وكأنه نص مكتوب أخذ سنوات في التنفيذ والتلوين الكتابة البصرية .

الشاب الصغير يرمز بعمره إلى مستقبل الوطن .. حتي جسده في حركة ديناميكية حية ؛ أكثر ليونة وعفوية وثقة من حركة الكبار .. يد أعلي تحمل مسدسًا .. ويد أسفل تحمل مسدسًا  آخرا .. وعلي حقيبة نص يبدو أنه جزء من دستور المطالب به و أفكار  تجديد خطاب الحرية في فرنسا  والمسدس كآلة أكثر حداثة وتطور من البندقية.

   هذه الشخصية الشاب النابض الناهض قدمها  فيكتور هوجو في رواية العظيمة ( البؤساء 1862)  استلهم منه شخصية مهمة في الرواية وقدمها المخرج ريتشارد بوليسلافسكي للسينما الأمريكية  1935 “  وقدمها المخرج المصري كمال سليم  1944 مبكرا جدا. سيناريو وحوار بديع خيري الكاتب المسرحي .. نعود إلى ملابس  الولد الصبي ؛ الشخصية الموحية لكل ثقافات العالم، والإضاءة مع الملابس وحركة الجسد تجدد الحياة والأمل.. حركات كلها علي بعضها حالة لنسيج بصرى مسرحي بجدارة .. مفعمة بالمشاعر القوية جدا. 

دولاكروا يوزع الأدوار بدقة  كي يخلق هذه الرؤية لشعب ثائر تَوَحّد رغماً عن الفروقات الطابقية الضخمة ، والعمرية  والجنسية والتاريخ حركة وغضب العاصفة في السماء مع الأرضية الملطخة بالدماء كما قال بودلير : دولاكروا يابركة الدم الأحمر .

نعم الحلم حق مشروع لكل اعضاء الوطن دون تميز         

فنان تشكيلي وناقد وروائي ـ رئيس مهرجان شمس العرب بباريس


مقالات دات صلة

التعليقات