من كتاب الحالة المسرحية والسنوغرافيا. في لوحات المبدع يوجين دولاكروا التشكيلية

من كتاب الحالة المسرحية والسنوغرافيا. في لوحات المبدع يوجين دولاكروا التشكيلية

من كتاب الحالة المسرحية والسنوغرافيا. في لوحات المبدع يوجين دولاكروا التشكيلية


آربريس _ القاهرة / عبدالرازق عكاشة

الفصل الخامس ٣من٣ لوحة معركة خيوس ،وهي مذبحة قام بها الأتراك العثمانيين ضد الآلاف من جزيرة ساموس اليونانية  ، والتي سجلها التاريخ بمذبحة خيوس عام.  1822م   

*الدماء غالية في أرض الشرف والمعارك، أما الشرف فلا يعني التشكيك في الأخلاق كمفهوم اجتماعي ، إنما الشرف يعني الرقي الوقار، الارتقاء إلى أن يكون مفهوم الشرف لدي النبلاء هو مفهوم عقلي وليس جسدي،  فالعقل المنافق والكذاب الانتهازي، هو مايطلق عليه عديم الشرف، أما العقل  المنحني المنبطح تحت كل ضغوط الحياة ، العقل الراقص صانعا من نفسه (عبدًا) هو عديم  الشرف،.. فكرة الشرف  هو ضمير الإنسان في معركة الحياة، أما الشرف في المرأة فيعني العقل والثقافة والاتزان . وليس مجرد نقاط حمراء علي أسفلت الطريق، أو الأسِرَّةِ البيضاء!!

*جنود وأبطال معركة خيوس اليونانية سجلوا حالة شرف وطنية  ضد الغازي العثماني المجرم في أرض المعارك والوطنية، هذا العثماني المغتصب مدعي الشرف.

 فعلي مدار ثلاث حلقات في الفصل الخامس من الكتاب  شرحت لكم المعركة الجزء من الجرائم العثمانية في الحياة. أما اللوحة _ كحالة مسرحية_ في الحلقة الماضية شرحت  جانبها الأيمن . واليوم نتعرض لجانب  اللوحة الأيسر..والخلفية والتكوين النهائي. 

وكما في الجانب الأيمن تألق الفنان يوجين دولاكروا فرسم حالة تعبيرية قوية، وفي اليسار و الخلفية يعود الفنان الرائع السخي ابداعيا إلى تسجيل حالة تجردية مميزة.. في الخلفية كفضاء كوني رائع يسبح فية الخيال . جماليات اللون المجردة  سحر الفضاء، الإبصار في الممكن من أجل رواية المستحيل، حالة مميزة تلك السماء المجردة، وكأنه يرسم العقاب؛ غضب الطبيعة علي القتلة، علاقة السماء واللقاء  بالبحر هذا الالتقاء الدرامي، عقاب الرب كيف يصور كل ذلك. السيد يوجين المبدع المثقف  فهو من قال: ( الفنان لابد أن يكون علي تماس مباشر بالثقافة الأدبية، التي تعطي له الغني، وتمده بالأسلحة حين يجف الإلهام التشكيلي ، أو تتوقف حالات الوهج الوجداني)  .

نعم سيدنا ومولانا يوجين دولاكروا، الذي يعد في هذا العمل من  أوائل من قدموا تجريدًا حقيقيا، في حجم ومساحة اللون، حجم الفضاء الملون بشكل درامي، نعم ثقافة حضرتك جعلت منك رائدا للفن، أفنجاردست (طلائعي) لم يسبقك أحد في هذا المضمار، إنها رسالة التجديد  التي قدمت بها نفسك للعالم  التجديد اللوني، فلم يلحق بك في معارك التلوين ولا التجديد في البناء والشكل المسرحي في العمل.

 هذه الطريقة المسرحية والسينمائية في تصوير الأحداث بشكل تراكمي وانسيابي ؛ الجمع الرهيب بين الرومانسية والعنف، بين العشق والتعذيب، إنها حالة تطلب من المتلقي عدة زيارت. وتكرار المشاهدة عدة مرات  للفهم والقراءة والاستعاب. في الحقيقة صور الكتب والإنترنت لا تكفي حجم المتعة في أعمال هذا المبدع دولاكروا، فأعماله زمنية وليست مشاهدات عابرة في  لحظات سريعة،  نموذجا لو تم الاستعانة  بكل فناني عصر النضهة ووقفنا أمام أعمالهم في اللوفر ساعات بما فيهم دافنشي. ورافائيل. قد نقف بعض  الوقت  ونشبع وانتهت الحالة، أما عند دولاكروا فلا ملل ولاشبع من الأسئلة، ولا المشاهدات المستمرة، فكل يوم تشاهد أعمال دولاكروا تسأل نفسك متي العودة من جديد؟ وكل مرة نعود لنكتشف  الجديد،.. ونسأل  تلميذك النابغة جوستاف كوربيه السويسرى، أو بودلير  الذي كان ينتظرك أياما وساعات من أجل توجيه سؤالا لك. كان بودلير يحلم بجملة منك .. بودلير حرك  الشعر إلى فضاء جديد كفيض من نهر علمك ، بودلير  الذي غاص في مساحات فضاء تأملك الكبير ياسيدي .

 هنا حالة السنغرافيا  المسرحية تتجلي مرتبطة بالمزاج في رسم الفضاء، والتجريد التعبيرى، حتي هذا الجندي العثماني المرسوم بشكل ظل فقط، ليس به نورا ولا إسقاط لوني،  مثل لصوص الليل، (سلويت) فهل كنت تؤسس لمفهوم بصري جديد استفاد منه رسامو الكتب والمجلات لاحقا، طريقة السويت بلا ملامح داخلية ، ياالله !! ماذا تفعل يامولانا النجيب دولاكروا ، فاتح غزوات اللون، ماهذه الفلسفة الجمالية!! لماذا تفعل بنا كل هذا؟

 **فنانين ونقاد عصره هاجموه بشراسة .  قائلين: أن يوجين  مفرط في رسم الشهوات والجنس المخلوط بالعنف الثورى، إنه أعنف الرومانسين ثورية، وكلها (اتهامات) أكيد في صالح الفنان، لأنها مشاعره هو، وهو فقط لايستغني عنها، لا أرضاء القصر الملكي، أو أصحاب البلاط، حتي عملية إنزال جنود المحتل العثماني ليلا في الجزيرة .. رسمهم دولاكروا بشكل مجرد في عمق اللوحة وكأنهم لصوص وجراد واضحين وغير واضحين بنفس طريقة السلويت، كم جسر عابر من عالمك !وكم رسالة منك للقادمين الملونين الحالمين التعبيريين التجريدين الرمزين، يا إلهي !! ماكل هذا الفهم للتصوير، للمسرح، للوعي السنغرافي، سواء في تحليل المقدمة، أو رسم الأعماق ثم أعماق الأعماق ثم ماهذه الحلول المجردة التجريدية التي تفتح آفاقا جديدة مبشرة !!

 الفنان دولاكروا هو الجسر و المعبر الحقيقي بين المبدعين السابقين والقادمين علي طريقة الإبداع والحرية .. فهو النموذج البشرى الصادق لعشاق الحرية والحلم. سيدي النابغة الفنان دولاكروا !! يرسم في الجانب الأيسر هذا العثماني( الجلف) وهو يتوسل له جندي يوناني عاري .. 

وهنا مفهوم العري والشرف الذي تحدثت عنه . فربما هذا المناضل العاري المحارب علي وطنه أشرف ألف مرة من غازي محتل يرتدي أساوير الفضة والذهب، الجندي عاري ينشد السلام أما العثماني الذي  يضع يده علي السلاح بلا رحمة ، وأسفلهم رجاء آخر باسم الحب، شهيد يقبل شهيدة، لعل الحب يبدل الظلم، لعل النور هنا هو السلام والمحبة والانتصار  علي العمق المظلم،  يوجين دولاكروا دمج كل ذلك علي خشبة مسرحية واحدة فضائها مفتوح، عكس اللوحات السابقة التي تعرضت لها وكانت  كأنها في غرفة مغلقة، محكمة، هنا الفضاء اللوني  غير مؤطر ،  السقف هو السماء، بيت العادل الحكيم،.

في الحقيقة تبدو لوحة معركة خوس مجرد لوحة ليست بأهمية لوحات دولاكروا مثل الحرية تقود الشعب، لكن بتأمل تفاصيلها . وحالة الفضاء وجماليات التعبيرات اللونية، نجد أن بها سحر آخر، لكن عليك عزيزتي عزيزي قراءة أدق التفاصيل عند هذا الفنان الجبار للوصول إلى الدهشة المطلقة في الفضاء الممكن والمتاح...

 قراءة عبدالرازق عكاشة/فنان تشكيلي ناقد وروائي..

رئيس ومؤسس  مهرجان شمس العرب بباريس



مقالات دات صلة

التعليقات