الفن التشكيلي المغربي وسؤال الهوية الحضارية 

الفن التشكيلي المغربي وسؤال الهوية الحضارية 

الفن التشكيلي المغربي وسؤال الهوية الحضارية 

بقلم: محمد الشاوي(*) 

لماذا سؤال الهوية الحضارية في التشكيل المغربي؟

وما السبيل لفهم هذه الهوية خدمة لدور الفنان التشكيلي المعاصر، ومحاولة لإدراجها  ضمن النسق الفكري والجمالي الذي راكمناه وفق أجيال متعاقبة بصمت تاريخا تشكيليا مغربيا؟  

يعتبر الفن من أرقى أشكال التعبير البشري على الإطلاق ؛ وذلك كونه ينبني على العقل والتأمل بغية خلق ما يصطلح عليه بالإبداع .

ومن جملة الفنون البشرية ارتأيت أن أتحدث عن الفن التشكيلي المغربي باعتباره فنا من الفنون التي عرفها العالم وما زال يتطلع إلى معرفتها فهو دائماً متجدد بتجدد الرؤى والمقاربات الجمالية، وفي الآن نفسه يعاني من التكرار للإشباه والنظائر، إذ يصعب المجازفة بالقول أننا نعيش استقلالا تشكيليا ذاتيا

لكن الملاحظ أن  هذا الفن التشكيلي المغربي يشكو مواجهة الغرب ليس في المعنى، بل في الكشف عن معنى المعنى، فإذا كانت محاولات الرواد الأوائل التعريف بهذا الفن والرقي به نحو الغرب حتى يعرفوا بأننا نحن المغاربة لدينا فونونا بصرية و تشكيلية وجميلة، وتطبيقية ...

فقد  كان أمل هؤلاء الرواد الذين تكوّن جلهم في الدول الغربية كفرنسا التي اتجه نحوها تشكيليو المنطقة الوسطى  وجنوب المغرب وغربه، بينما إسبانيا فقد تكوّن فيها تشكيليو الشمال، بل إن  عملية التكوين والبحث  اتجهت أيضاً  إلى دول  أخرى باحتشام  كهولاندا وبلجيكا وانجلترا     و ألمانيا وكذلك إيطاليا و روسيا، هذه الأخيرة التي تصدت لها  أمريكا بصناعة فنانين وفق نموذجها الإيديولوجي خدمة لمصالحها السياسية

وعلى هذا الأساس كان هاجس الرواد هو بناء هوية حضارية لطلابهم    و تلقينهم مبادئ الفن وقواعده ومدارسه قصد المشاركة في الرقي بالذوق البصري للمجتمع المغربي. لذلك  تم توجيههم من قِبَلهم نحو استكمال التكوين والبحث خارج الوطن،  لأن الدراسة العليا بالمغرب مازالت صعبة المنال، وسلك الماستر والدكتوراه عبارة عن أفكار لم تطبق بعد في سياسة بناء الكليات والمعاهد العليا للفن.

وفي هذا الإطار يمكننا أن نصنف مراحل تطور الفن التشكيلي والهوية الحضارية المغربية إلى ثلاثة أصناف

الأول منها:

 الجيل الذي  ذهب للدراسة والتعريف بالثقافة والهوية المغربية وهو نموذج انبنى على محاكاة الواقع الإجتماعي، صور البدو والبرابرة والحصان والفروسية الشعبية، المرأة القروية، سكان الجبال، گناوة... بمعنى آخر تلك الرسومات التي ارتبطت بالطبيعة الحية والميتة، طبعا حسب خصوصيات المرحلة والمدرسة التي تأثر بها الفنان التشكيلي... 

هذا النموذجُ  فولكلوريُ ُ  شكلاً ومضموناً، لم يرق إلى مستوى الفن العَالِمْ  الذي ارتبط بتيارات  واتجاهات فكرية وفلسفية عرفها الغرب، وهي أيضاً من الإرهاصات الكبرى التي عرفها حقل العلوم الطبيعية والإنسانية وكذلك هو الشأن بالنسبة لحقل الأدب في شقيه الشعري والنثري .

أما النموذج الثاني :

  وهو نموذج استفاذ من التكوين الأجنبي وعمل على خلق فن تشكيلي وفق المقومات الغربية ظل يحاكي ويجسد تشكيلياً ما تعرفه الساحة الفنية من جديد، محاولاً مجاوزة الجيل الفولكوري -الذي ما زال إلى اليوم- وهذه المجاوزة نشأت عنها عملية  تكوين طلبة معاهد الفنون بالمغرب، وقد كانت مجاوزة صعبة المنال لأن معاهد الفن عندنا لا بد أن تُدرج في مقرراتها مدارس الفن، والطالب الفنان لا بد أن يتأثر بالتوجه الذي يراه مناسبا لمؤهلاته وكذا لسوق الفن.

كما أن  تطلعات هذا الجيل  كانت تراهن على الرقي  بالفن التشكيلي المغربي  لكن للأسف من داخل المعاهد كان هناك من يدافع  عن التوجه الفولكلوري باسم الهوية والثقافة الوطنية ليس بالمعنى العَالِم الذي يرقى للبحث في العلاقة الرابطة بين الهوية والتراث الحضاري، بل بدافع تكرار نفس النموذج الفولكلوري خدمة للغرب لكي يُصنف فنوننا ضمن خانة الفولكلور الشعبي

وقد تذكرت  وأنا أكتب هذه المقالة كيف عمل  الفنان الراحل محمد شبعة

- ذو التكوين العالي في الفن التشكيلي  بروما - وهو يدير المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، على تعبيد الطريق لفائدة طلابه نحو التكوين العالي قصد الرقي  بالتصور البصري لدى طلاب الفن  والنهوض بالفن التشكيلي من خلال الإستعانة بخبرة أساتذة الفلسفة  في تدريس فلسفة الفن وتاريخه بالإضافة إلى عدة أطر من الأساتذة الفنانين و الأكاديمين، أضف إلى ذلك دور الصناع التقليديين والحرفيين في الفنون الوطنية وكذلك دور المهندس المعماري  في نسج عمل متكامل مع الفنان التشكيلي بغية الرقي بالهوية الحضارية المغربية نحو الكونية.

أضف إلى ذلك أن إدارة المعهد قررت  أنه على كل من أراد من الطلاب أن يحصل على شهادة التخرج في  "الفنون الجميلة" أن  ينجز بحثا نظريا فكريا وفلسفيا، وآخر مكمل له ذو أساس   تطبيقي عملي سواء كان  العمل الفني  لوحة أو نحثا أوإنشاءً installation  ...

وذلك إيمانا منه أن طلاب الفن ينبغي  عليهم في مستقبلهم الفني أن  يحللوا  ويناقشون  قضايا الفن وكذلك ما ينتجون من أعمال،  بغية الرقي بهم نحو العالمية والحداثة،  لا أن يكونوا  صناع فن لا يعرفون التعبير عنه أمام جمهور المتلقين. أضف إلى ذلك اقتراحه مشروعا تشكيليا أكاديميا لم يتحقق، وهو محاولة تكوين الفنانين التشكيليين الشعبيين من

مقالات دات صلة

التعليقات