بيكاسو سيزان .. الحلقة الاخيرة والسابعة من الفصل الثالث عشر (كتاب القبض علي الممكن في فضاء المستحيل)

بيكاسو سيزان .. الحلقة الاخيرة والسابعة من الفصل الثالث عشر (كتاب القبض علي الممكن في فضاء المستحيل)

بيكاسو سيزان .. الحلقة الاخيرة والسابعة من الفصل الثالث عشر (كتاب القبض علي الممكن في فضاء المستحيل)


  باريس ـ عبد الرازق عكاشة : 

*يا إلهي يا رب السموات والأرض يا عالم بالأسرار …والإصرار منا علي دفع وتحريك كل عجلات الخير للأمام ..نحن يا رب العالمين رجاءين متسائلين ..لا نملك من الأمر شيء، فكلما هممت أن أنهي تلك السلسلة بيكاسو وسيزان كي أنتقل إلى بيكاسو والآخرين ..أجد أن عدد السطور لا تكفي الحكايات .لاتقف ولا تنتهي ..أجد أن سيرة الرواد والأحباب أصبحت مسيرة ..والكلمات أصبحت ظواهر وشهود عين علي التجديد والتحديث والتثقيف .اليوم بعد حلقة الناقدة آني يطالعنا ناقد بأسرار أخرى وجديدة

حيث يقول نويل كوريه رئيس صالون الخريف السابق وأحد أهم نقاد الفن الفرنسي المعاصرين والذي زار مصر معي أكثر من خمس مرات ..يقول نويل أن اللحظة التي أبهرت بيكاسو وحولت اتجاهات عقله هزت وجدانه التشكيلي كانت في صالون الخريف 1907بعد وفاة سيزان بعام حيث احتفل الصالون بالمعرض الاستعدادي لسيزان ..

ويؤكد نويل أنه أي بيكاسو كان يعرف سيزان جيدا قبل هذا المعرض .ربما منذ حضوره من أسبانيا 1899 أو 1900.إلا أن تأثير سيزان عليه لم يظهر بهذه القوة من قبل 1907.حيث كانت منصة صواريخ بيكاسو هادئة .لم يسكنها الطوفان والجنون بالشكل الكافي ..الذي يصل إلى حد الهوس ..أما في تلك اللحظات أي النصف الثاني من عشرينيات عمره وجد بيكاسو في معرض سيزان الاستعدادي بالصالون ضالته الكبرى للانطلاق تجاه الرياح العاتية طالبا الإنقاذ من المعلم سيزان ..يقول بيكاسو بعد تلك المشاركة للمرة السادسة أو السابعة في صالون الخريف العظيم ..هنا اكتشفت ضربات فرشاة سيزان المختلفة، ضربات تحلق في الفضاء ..فضاء من الحرية وبناء الطبيعة بشكلها جديد ورصين . مختلف عن السابقين جميعا . فهو أبا لنا .بل أب ورائد التحديث الكامل .

ويكمل بيكاسو في حديثه كان يمكن أن يعتبر سيزان نفسه سيد الحداثة ..لكنه كان متواضعا. يقول دائما أرسم طبقا لمشاعري وإحساسي فقط .مع تحقيق انسجام مع روايتي للطبيعة بشكل موازي ..في إحدى المرات كان سؤالا آخر لأحد الصحافيين عن سيزان. قال بيكاسو وهذا كلام مهم أرجو أن نستوعبه جيدا ونصدقه.. بل ونعمل على تحقيقه إذا أردنا التقدم والوعي وفهم الفن ..

يقول بيكاسو ليس ما يفعله الفنان هو المهم ..عظمة سيزان أنه لم يكن مهتما أصلا بما هو مهم (.ولم يكن سيزان متلهفا علي المهم إنما مركزا علي الأعمق والأقوى داخليا الذي لايرى بالعين المجردة ، .حتي التفاحات التي رسمها. لو عاش وفكر سيزان مره أخرى ، فلم يسعي لرسم ما هو جمالي فيها ..إنما كان سوف يستمر في رسم ما رسم ، قلق سيزان وهو يطالعها حالة القلق الداخلي والتعبير أقوي بكثير من البحث في الاستفتاء عن جمال سطحي ) ليخلق حالة موازية ..نعم هنا نؤكد علي عظمة وفخامة اللون عند سيزان.. عمقه البحثي فكرة رسم طبيعة موازية للطبيعة .وليس نقلها .إعادة استخلاص الطبيعة من الشوائب الزائدة .وتطهير السطح من كل المعلقات المرهقة بصريا ،كم أنت ممتع يا سيزان مثل عازف حافظ الأوتار. لكنه لا يعزف عليها كلها في كل لحن أو طول الوقت. لكن يظل اللحن عملاقا ،وحين تسأل أين الوتر المسمي( س) لم تلمسه أصابع اليد مثلا فيقول لك .تم تجاوزه للوصول بسرعة للهدف (المتعة)ثم يسألك هو هل شعرت بالنقص أم ارتحت للاختصار ..

كان سيزان عظيما يملك رؤية فريدة .بصيرة عميقه ، فلسفة تعيد لنا فلسفة دولاكروا ..في عام 1907 بدأ السيد بابلو بيكاسو بمحاولة دراسة وتكثيف تعليمات مولانا والسيد سيزان برفقة صديقه الفرنسي جورج براك هذه التجارب علي هندسيات وتلخيصات سيزان.. أدت في النهاية إلى أحداث حالة في صالون الخريف 1909سميت بالتكعبية ..التي هي أصلا قائمة علي تفسيرات وتحليلات بيكاسو لفن سيزان ومن بعده يأتي صديقه براك ما يمكن قوله أن العبقري سيزان ساهم ووضع قواعد كبرى للحالمين والواعين ، بيكاسو كان يقظا فطنا للمتغيرات التاريخية أكثر بكثير من الآخرين 

بيكاسو الذي علمه أباه وفتح عينيه على المستحيل كان سباقا للجميع بالبحث المستمر، نعم رسم وأعاد لوحات سيزان وأنا قد لا اتفق نهائي مع هذا المنهج. إلا في ظل قوانين وأعراف واضحة ..مثل ما فعل بيكاسو حين كتب خلف كل عمل موضحا بمن أثر ومن تأثر ..من أين جاء الخط واللون وإلى أين ذهب ..كذلك لابد من أن يملك الفنان ثقافة رصينة وليست ثقافات سطحية أن يكون الفنان عميق الرواية بعيد عن تأصيل الشكل والبحث عن الإبهار والجمال فقط ..فاللوحة هي طريق للباحثين ..وكل علماء الفن الصادقين يعرفون أن المبصرين أي التشكيليين هم من مهدوا الطرق الوعرة لثوار الفكر . والأدب حتى الثورات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية

* وإذا تسألني مثلا لماذا تأخرت السينما أقول لك غياب الرواية البصرية ، التشكيل ، الصورة التشكيلية التي ترسم المشهد وتحدد جغرافيا وحيز التصوير وحركة جسد الممثلين وكيف تبهج عين المتلقي أمام الشاشة، لكن غياب الصورة لصالح الأكشن فقط هذا ما دمر الفيلم المصري، وميز الفيلم الهندي أو المسلسل السوري نموذجا . فحين أصبح التشكيل هو من يسير خلف السينما . الرسام ينتظر المشهد ليرسم بورتريه لممثل أو ممثلة، فهو عنصر أخير في المشهد لا يليق بأصحاب البصيرة والسيرة . ولا يمكن للعكس أن يكون هو الأصح ..تسألني عن المسرح أقول لكم غياب السينوغرافيا بمقامها البصري التشكيلي العميق، فأصبح مسرح إفيهات وكلام فارغ سطحي ليقدم تشكيلا يخاطب الوجدان .. تسالني عن الاقتصاد أقول لكم قبل الحديث مع أي رجل أعمال أنظر خلفه ماذا يعلق ..وأنت سوف تفهم الإجابة بسرعة ..دون الحاجة إلى شرح وتفسير فالتشكيل هو أساس الحياة إذا سألتني عن غياب الفن التشكيلي نفسه أقول لك كل صباح هناك مخططات لسرقة الوعي من الأوطان ذات الحضارات ..وغياب البصر والبصيرة كما يفعل في البناليات المصرية والمهرجانات العربية علي يد عملاء ومنفذي خطط جهنمية . فمواطن بلا بصيرة .وفنان بلا وعي النتيجة أوطان مغيبة تسرق وتنهب بهدوء . وعلي نار هادئة ..اليوم أنشر آخر عمل لبيكاسو من تأثيرات السيد الركن المهيب سيزان وهنا يبرئ ساحة بيكاسو من النقل المباشر أو الفارغ . ويؤكد علي أن سيزان رسم طبيعة موازية للواقع . وبيكاسو رسم سيزان بشكل موازي له ..رسم ثالث واتجاه جديد التوازي مع حالة الموازاة الأساسية . امرأة سيزان بتلخيص للجسد، حتي ومحاولة هندسة سيزان للمرأة الموديل منزوعة الملابس وضخمة قوية مع طاقات لونية روحانية في الجسد ليدهشنا كلاعب محترف ذكي. ببناء عظيم ..ثم يرسم من بعده التلميذ امرأة بيكاسو، ومحاولة تكعيب النظم الهندسية تطورها لخلق توازي ثالث ، إنها قطارات تسير علي نفس القضبان الحديدية. لكنها في خطوط موازية تلتقي في تقابل ولكنها لا تصدم. وبعد اللقاء تسير كلها في اتجاهات أخرى كل منهم يبحث عن طريق للتجديد والتحديث ليبني له سكنا فريدا في التاريخ العالمي للفن والثقافة.

د. عبدالزاق عكاشة

فنان تشكيلي ناقد وروائي

رئيس مهرجان شمس العرب بباريس




مقالات دات صلة

التعليقات