الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (6)

الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (6)

الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (6)

... بدأ الظلام يعم المطبخ فانتبهت زينب لذلك وهي تحضر طعام العشاء. أشعلت الضوء،ثم توقفت لحظة مفكرة وكأنها مدفوعة بإحساس غريب انتابها فجأة.غادرت المكان بخطى مسرعة باتجاه غرفة نومها، فتحت الباب بعجالة وكأنها تتوقع  شيئا مفاجئا. ألقت نظرة على الغرفة المظلمة وأشعلت الضوء. لم تجد خالدا حيث تركته  على السرير.. وقع بصرها على رسالة مفتوحة وضعت بعناية على الوسادة، اقتربت منها بحذر فألقت عليها نظرة متوثرة  أخذتها في تردد وجلست على حافة السرير ثم شرعت في القراءة:

عزيزتي زينب...

... أفعالنا و أحاسيسنا تكون جميلة عندما تكون تلقائية ، الإحساس الصادق يفرض نفسه بقوة ويؤثر على مشاعرنا وسلوكنا و هو لا يصنع أبدا... لا أريد أن أكون مصدر إزعاج أو تشويش حتى تتمكنين من رؤية الأشياء  بوضوح و دون ضغط أو تاثير. فالأمور حين تتجاوز حدها قد تصير فعلا مصدرا للإزعاج، وأنا لا أحب أن أكون كذلك... قمت بما يجب علي القيام به، وعبرت عنه بإحساس صريح وصادق وشفاف، ورغم ذلك لم أجد ولو بصيص تفاعل يبعث على الأمل ويدفع بهاته العلاقة إلى الأمام، كنت أريد  لعلاقتنا أن تكون صادقة ومتينة، لم أخف شيئا، قلت وفعلت كل ماأحس به في دواخلي. فالحياة في نظري إحساس أولا، وتفكير ثانيا وفعل بعدهما، هذا ترتيبي الشخصي للأشياء، به أتعامل مع الواقع والأشخاص، ويشكل أيضا تصوري الدائم للحياة، بل وفلسفتي أيضا. ربما للآخرين ترتيبات أخرى تناسبهم وتناسب شخصياتهم، ولهم الحق في ذلك. لكنني أضع القلب والإحساس في المرتبة الأولى قبل خوض أية تجربة كيفما كان نوعها، وإن كانت ذات طبيعة أخرى غير الحب. الإحساس معياري وبوصلتي، بدونه لا أخطو خطوة وإن كانت الطريق تبدو معبدة ...لم أحس بأدنى تفاعل من طرفك ولا أريد أن أكون محط مقارنة مع أشخاص آخرين محتملين رغم إحترامي الكبير لهم، وإن كنت لا أعرفهم. لا أتصورني في هذا الوضع إطلاقا، خصوصا بعد أن صرحت لك بنواياي بعد تفكير عميق أخذ مني الوقت الكثير. ربما معك حق حين كتبت لي أنك "لا تتخيلين نفسك معي." ربما لم يحرك تواجدي إحساسك، وهذا شيء مشروع وممكن. فالإنسان مجموعة أحاسيس قد تتحرك أو لا تتحرك. أحترم ردة فعلك هاته وأتفهمها... حاولت إقناعك وطمأنتك وقمت بما علي القيام به ولن أزعجك بعد الآن... لا أعلن بهذا انسحابي، أبدا! فمكانتك عندي باقية وماأحسه تجاهك لن يزول بسهولة. فقط سأتراجع شيئا ما حتى تقررين لوحدك بعيدا عن كل تأثير.  وسأكون دوما هناك في انتظارك حتى تتضح لك الرؤية، لأني واثق من أن إحساسي وصدقي قد وصلك وواثق أيضا من ذكائك.  فالإحساس بالآخر إما أن يكون أو لا يكون، فلسنا نحن من نصنعه... ألم تكتبي لي ،"خليك هناك"؟. جواب لخص في كلمتين تلقيتهما بصعوبة."خليك هناك!" كيف أفسر هذا الرد بعد لقاء كالذي عشناه بالأمس؟ أوليس عودة إلى نقطة الصفر، وكأننا لم نلتق ولم نتشاور أو نتكلم قط؟ كل علاقة صادقة هي إحساس وتفكير وفعل. لا يمكن لأية علاقة أن تتقدم وتتطور خارج توفر العناصر التلاثة والتي أهمها الإحساس. لكن وجدت نفسي  فقط مشروع تفكير في ذهنك، بعيدا عن أي إحساس أو أي فعل يكونان بمثابة المحرك القوي للاستمرار. العلاقة تفاعل وأخذ ورد وأسئلة وأجوبة وتبادل لوجهات النظر بتلقائية وأريحية، لكن ولحد الآن كنت أنا دوما من يبادر في كل شيء, حتى في رسالة إليكترونية بسيطة مفادها: "صباح الخير." رسائل تجيبين عليها باقتضاب شديد وكأني ثقيل الظل. إن لم أرسل رسالة أو أكلمك فلن يصدر ذلك عنك. حتى تفاعلك السابق معي على الفايسبوك تغير فجأة واندثر وكأني بك أفقدك تماما، وكأني لم أعد موجودا. لم أستطع تفسير هذ التردد وهذا البرود أو إعطائهما أي معنى، رغم أنني أتفهم خوفك الناتج عن ماعشته وماقاسيته سابقا من تجارب مريرة، وإن كنت في نظري قد خرجت منها منتصرة وبأقل خسائر ممكنة. تردد وبرود قرأته وأولته كتلميح مؤدب منك لإنهاء تشبتي بك! هل هو رد فعل عاد يصدر عنك أو ربما أني لم أعتد على هذا النوع من ردود الفعل أو فقط "لا تتخيلين نفسك معي". قد تكون حقيقة يجب تقبلها ومواجهتها. صدقيني، إذا كان إحساسك هذا صادقا فلن أستطيع تغيير شيء مهما حاولت. لأنني لم أعد أعرف مايجدر علي فعله. الإحساس لسنا نحن  من نصنعه، وهذا أمر طبيعي في مكوناتنا الإنسانية..لا أتصور نفسي في علاقة لا يسودها التبادل في كل شيء، أكان رسالة إلكترونية بسيطة أو إحساس صادق  إسمه الحب. رسالتي هاته لاتعني أنني أضع نقطة نهاية لما يجمعنا، بل فقط نقطة قد تعيدنا إلى السطر لنبدأ فقرة أخرى جديدة بإيقاع آخر متجدد يدفع بنا إلى الأمام، لأنني أحس بهذا الإيقاع يتوقف ليعود بنا كل مرة أخرى إلى نقطة الصفر أو نقطة نهاية، أحساس ينتابني مباشرة بعد كل لقاء أعيش لحظاته معك، إحساس تتبعثر بعده أوراقي ولا أجد مفرا غير حمل حقيبتي استعدادا للسفر... أبلغي سلامي لطه وأخبريه أنه خلف ذكريات هي عبارة عن كدمات في جسدي قد ترافقني كمؤنستي في سفري...

 خالد.


أنهت زينب قراءة الرسالة ورفعت بصرها نحو طه الذي يقف عند باب الغرفة ينظر إليها بإمعان.

محمد مفتكر


مقالات دات صلة

التعليقات