الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (7)

الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (7)

الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (7)

غادرت زينب الغرفة مسرعة وركضت نحو النافذة تفتحها. مرت أمام ابنها الذي تبعها بنظراته المزدرئة دون أن تكثرت له، رأت سيارة خالد تبتعد تدريجيا لتختفي عند مدخل الزقاق المظلم... تذكرت الرسالة ومضمونها، واستنتجت أن خالدا لم يكن محقا. كيف استطاع أن يتحمل كل هذا في صمت؟ لم يلومها الان؟ ألم يختف بدوره مايقارب السنتين دون سابق إنذار بعد أول لقاء لهما؟! اعتقدت معه أنها ربما عثرت على الرجل المناسب.

اختفاء غريب لم تحاسبه عليه ولم تطلب منه أي مبرر. توارى دون سابق إنذار وبعدها عاد وكأنه شيئا لم يكن وقدم أعذارا واهية غير مقنعة، لم تعد حتى تتذكرها. "كنت في حاجة إلى التفكير". هذا كل ما قاله  بعد عودته، وأرادها أن تصدقه وتقبله وكأن شيئا لم يكن ثم طلب منها السفر معه. سفر مفاجئ ودون وجهة محددة. أوليست في حاجة إلى التفكير هي أيضا حتى تتأكد من صدق مشاعرها تجاهه؟، أليس من حقها أن تخاف ولا تتعجل؟ أليس هو من خذلها وإن كانت تعرف طيبوبته وتثق في إحساسه؟.. غيابه لمدة سنتين أفقدها طمأنينتها مرة أخرى وأخل بتوازنها ولم تعد تثق في أي شيء... وصلها آذان صلاة المغرب فاكتشفت أن رسالة خالد لازالت في يدها فأعادت قراءتها من جديد. أثارت اهتمامها جملة واحدة. "صرحت لك بنواياي بعد تفكير عميق، تفكير أخذ مني الوقت الكثير." ألا يدري أن هذا الوقت الذي يتكلم عنه يقارب السنتين، سبع مائة وثلاثين يوما بالتمام و الكمال، تخللتها بعض الرسائل المتفرقة ولقاء أو لقائين فاترين؟ أوليست هي أيضا في حاجة إلى وقت للتفكير؟ أعادت قراءة الرسالة مرة أخرى واستوقفتها جملة أخرى مثيرة:  "لا أحب أن أكون محط مقارنة مع رجال آخرين." ألم يترك غيابه فراغا سمح لرجال آخرين أن يتسللوا لحياتها، مقترحين أنفسهم كرجال مثاليين؟ أوليست هي أيضا إنسان له أحاسيس تتحرك ونقط قوة وضعف؟ هل يحاكمها دون أن يقصد ذلك؟ مر طه من أمامها وهو يغادر المطبخ وخاطبها بصوت بالكاد يسمع،: "لقد احترق  العشاء. سأخرج لأخذ سندويتشا وقد أتأخر قليلا". قالها بانفعال لم يستطع إخفاءه ثم غادر البيت. لم تجبه وظلت تنظر شاردة إلى باب غرفتها المفتوح حيث سريرها الفارغ. فوصلتها رائحة احتراق الطهو منبعثة من المطبخ... جلست زينب على سريرها وأعادت قراءة الرسالة بتأن هاته المرة، وكأنها تبحث عما تخفيه أسطرها أو عن معنى لم تستطع سبر أغواره، أو لم تنتبه إليه نظرا لتوترها. فاستخلصت أنها لم تقرأ الرسالة كما كان ينبغي عليها أن تقرأها، واكتشفت معان أخرى بعيدة كل البعد عن  اللوم، كما اعتقدت في البداية. خالد لم ينسحب من حياتها كما اعتقدت بل قرر فقط إعطاءها وقتا كافيا للتفكير وهذا فعلا ماهي في حاجة إليه. لقد أخذ هو مايكفي من الوقت لبتخد قراره وعليها هي أيضا أن تأخد نصيبها من التفكير فلاشيء يمنعه من الانتظار قليلا, فهي الآن لبست في حاجة إلى أي ضغط من طرفه قد يعتم عليها وضوح الرؤية... وصلتها رنة رسالة إلكترونية قرأتها بعجالة وكأنها تنتظرها فوجدتها من خالد."أتمنى لك ليلة سعيدة". أجابت في الحين على الرسالة: "وليلتك أسعد". وضعت هاتفها النقال على السرير وظلت غارقة في تفكيرها العميق... عم صمت طويل تخترقه رنات رسائل صوتية، تكهنت لأصحابها، لكنها قررت ألا ترد عليها للتو، وأن تؤجل ذلك إلى ما بعد... وصلها صوت ابنها وهو يدخل الشقة متجها إلى غرفته ويغلق الباب وراءه، لكنها ظلت جامدة في مكانها لا تتحرك...

أرادت أن تهاتفه لتطمئن على أحواله وهل وصل بخير، لكنها عدلت عن الفكرة وأطفأت هاتفها النقال حتى لا تصلها أية مكالمة أخرى كيفما كان مصدرها ثم غادرت حجرتها باتجاه غرفة ابنها. وقفت بعض الوقت أمام الباب المغلق فأرادت الدخول لكنها غيرت رأيها في آخر لحظة ثم اتجهت صوب النافذة وألقت نظرة على الحي الفارغ والمظلم إلا من القطط المتشردة التي تعالى مواؤها وكأنها تناجي الرب تشتكي قدرها المشؤوم. ظلت واقفة لمدة ليست بالقصيرة تعيد كل تفاصيل حكايتها وكأنها تبحث عن الحلقة المفقودة التي قد تساعدها على الرؤية بوضوح في هاته المتاهة اللامتناهبة. وصلتها برودة الليل الشتائي القارس فأغلقت النافذة بإحكام وعادت أدراجها صوب غرفتها فدخلت وأغلقت الباب جيدا بالمفتاح على غير عادتها...

محمد مفتكر


مقالات دات صلة

التعليقات