قراءة في تجربة فاطمة المعيزي الزجلية للكاتب بوشعيب رياشي

قراءة في تجربة فاطمة المعيزي الزجلية للكاتب بوشعيب رياشي

قراءة في تجربة فاطمة المعيزي الزجلية للكاتب بوشعيب رياشي


  المديرية الاقليميةلوزارة الشباب والثقافة والتواصل بالصويرة

  المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي و الرياضة بالصويرة  

  جمعية الصويرة موكادور 

  جمعية محمود أخراز للمحافظة على الثراث الكناوي 

  ثانوية محمد الخامس التأهيلية

بوشعيب رياشي/ في الحقيقة يصعب علي اختيار الكلمات المناسبة لتقديم هذه الورقة المتواضعة٬ والتي في الحقيقة ماهي إلا تقدير و إجلال وعرفان في حق أستاذتنا المبدعة فاطمة المعيزي تكريسا لثقافة الاعتراف و الشكر على كل ماقدمته في الساحة الثقافية والأدبية على حد سواء فالمهمة ليست باليسيرة فأن تقرأ ماجادت به قريحة الأستاذة فاطمة المعيزي معناه أن تستعد للسفر بين عوالم مختلفة غير قابلة للاختزال و عابرة للتخصصات تجمع بين ماهو أدبي فلسفي سوسيولوجي انتروبولوجي سياسي و ديني... لاتؤمن بالحدود الضيقة للممارسة العلمية التي تبقى أسيرة تخصصها وهذا راجع بالأساس لتجربتها الحياتية الغنية ومسارها الثقافي وكتاباتها الغزيرة ونخص بالذكر ديوانها الزجلي ضفاير لالة الذي هو موضوع هذه الورقة وسنحاول قدر الامكان أن نبين أبعاده الفلسفية والسوسيولوجية مركزين على قصائد دون أخرى على اعتبار أن هذه الورقة ماهي إلا أرضية أو قاعدة للنقاش وتجاذب الأفكار.

إن ديوان ضفاير لالة يعج بجملة من الموضوعات والتيمات، لعل أحقها بالذكر، مفهوم "الإنسان" على وجه العموم، من كافة جوانبه الروحية والمادية، وموضوع "المرأة" على وجه التخصيص، دونما أن ننسى تيمة "الجسد"،الجسد الأنثوي إلى جانب مجموعة من الموضوعات الأخرى، والتي مأسست  لقلق وجودي، الشيء الذي بوأ هذا الديوان رقيا واسعا.

  اهتجست المؤلفة في قصيدتها الأولى والتي عنونتها "بضفاير لالة" نفس عنوان المؤلف بتيمة "المرأة" وفي هذا المساق وبحق فإن ما دونته الشاعرة في هذا الباب ذو راهنية ورهان يسعفنا اليوم في حاضرنا الحاضر، وتتجسد أهمية هذه القصيدة وإضافتها في كون أن الشاعرة أعادت الاعتبار إلى "الجسد"، الجسد الأنثوي٬ فلطالما اعتبر الجسد وصمة عار، ففي الإرث اليوناني مع الأغارقة الأكابر، (سقراط-أفلاطون- أرسطو) نجد "الجسد" مدنس، في حين أن "النفس" مقدسة، فالنفس أرقى وجوديا من الجسد، باعتبارها أزلية خالدة ... بينما هو ناقص، فاسد، لا مكان له في زمرة الخلود، لكن الحدود ستتغير مع كاتبتنا فاطمة المعيزي، بحيث أن تلك الثنائيات (نفس/جسد، عالم علوي/عالم سفلي، مدنس/مقدس، ذكر/أنثى...) ستنصهر وتضمحل، وهذا مايؤكده جاك دريدا٬ حيث يعتبر أن تلك الثنائيات ليست سوى ثنائيات ميتافيزيائية، وتقسيمات عنيفة، وبهذا تكون شاعرتنا أعادت الاعتبار إلى الجسد واستشكلته، وأضفت عليه طابع المقدس عوض المدنس٬ وهذا ينسجم مع العقل النيتشاوي نسبة إلى نيتشه٬ الذي خلق انقلابا في مبحث القيم الفلسفية من خلال تقديسه للجسد٬ باعتباره سبيل لتحقيق الوجود الانساني ويتأتى ذلك من خلال خلق قيم جديدة والتحرر من سلطة الحس المشترك٬ وهذا ما أكده في مجموعة من كتاباته وبشكل صريح في كتاب "مولد التراجيديا"٬ وعليه فقد تعالت الشاعرة على الحس المشترك - الوعي الجمعي وأعلت من شأن جسد المرأة و مافتئت تتغزل به لا سيما في القصيدة الأولى، "سالف لالة تقول عاود بركي يبري..." فلسنا نضفر لديها بتلك المفارقة الكلاسيكية، بين المادة والروح، بل هي بصدد الحديث عن جسد متكامل، بل تذهب الشاعرة إلى أبعد من ذلك و تظهر جدتها في إضفائها الطابع الروحي على عنصر مادي، كقولها "...ناضت ضفرة حنانيها جرحة سالت بالمكتوب قلنا دابا تبرا..." فالضفرة هنا عنصر مادي لكن شاعرتنا ألبستها عباءة روحية، لكن الملاحظ هو أن مجتمعاتنا لازالت مسكونة بل مهووسة بذلك الفكر الذي يعلي من شأن الروح/النفس ويجعل من الجسد محط احتقار ونقص٬ حتى اللغة هاهنا ليست سوى ناطقة باسم الثقافة وتمارس قهرا على المرأة ولعل القرينة التي تسوغ هذا القول٬ مصطلح "عيالات" الذي يشير إلى النساء، فهذا المصطلح المتداول يحتقر المرأة، فالمقصود، "بالعيالات" كائن يحتاج إلى من يعيله ويساعده، فليس في شيء أن يكون مفهوم القوامة من نصيب المرأة اللهم فيما ندر، فالمرأة تحتاج إلى رجل ولاتحتاج إلى ذكر، ليضفي عليها القيمة أو بلغة أرسطو يخرجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. ففي اللسان العربي كذلك لا نظفر بأي جمع "لمصطلح" "المرأة" نجده نساء، لكن الجمع من جنس كلمة المرأة نجد له أفولا. 

مما يبرهن على إصابة ثقافتنا بأزمة سيكولوجية، يمكن أن نطلق عليها، "التناقض الوجداني"، فمن جهة التشدق بالحقوق ومن جهة أخرى التنكر لها، ما يطلق عليه بالاعتراف المزيف والذي يمكن اعتباره أسوأ من الاحتقار ذاته.وفي اعتقادي أن البيت "حنانيها جرحة" يدل على تلك المفارقة التي تقدم ذكرها، تبحر بنا المؤلفة من خبايا المرأة وبهائها إلى تيمة أخرى، وهي تيمة "الحب"/"العشق"/"الهوى" بحيث نجد وفرة هذه المفاهيم في متن المؤلفة، الشيء الذي يحيلنا على التصوف، فالمجال التداولي الصوفي يزخر بهذه المفاهيم، كما أنه اتخذ من موضوعات العشق والهوى... موضوعات للاستشكال، والملاحظ أن المؤلفة لا تتقاطع مع التصوف فقط في ما يخص الجانب العاطفي بل كذلك جانب الحلول/العرفان/الشطحات/الحال/الكشف/الذوق....

عودة على بدئ فإن قصيدة "لا تسولني"، تذهب بنا في غياهب اللوم العتاب، التوسل والرجاء... لكن، هذه القصيدة حمالة أوجه، فمن الصعب بمكان مسألة تأويلها، فظاهرها بسيط وواضح، بحيث يتبدى في أول وهلة أن ثمة امرأة عاشقة تهوى حبيبا، لكن التعمق في سطور المؤلفة يجعل من القارئ يطرح سؤال، أي حبيب هو حبيب الشاعرة، بمعنى من هو هذا المحب الجائر المقصود في القصيدة، فقد يكون المقصود به الوطن، ما يجعل من تلك الثنائية الصوفية (الظاهر/الباطن) حاضرة وبقوة في كتابات شاعرتنا. ولعل ما يدل على هذا القول قول الشاعرة "...ها عار كل ولية عليك طالبين تجورهم، اتخطى عيوني في عزها، قطع السلاسل علي، انورد إدي، من تراب بلادي....". فهل يا ترى، ترى السيدة فاطمة المعيزي في الحبيب وطن، أم أن الوطن يغدو حبيبا ام يعبر عن نوستالجيا المؤلفة للحظات انقضت وتترجى عودتها٬ ويبدو أن الشاعرة تروم من خلال هذه القصيدة إلى وجوب حب الوطن مهما كان جائرا. "قصار هاذ العمر ول طوال يا الكليب طالبة الشفاعة بقلب محنة وطاعة براس محدور يا سيدي ليك كيف يصبر جفاي على جفاك...

أخيرا وليس آخرا، وبالنظر إلى شساعة الديوان والوقت الذي لا يسعف، ارتأيت أن أختتم هذه الورقة بقصيدة "الحضرة" بحيث يمكن نعتها على أنها تدخل في مجال النصوص المرمازية/المرموزة، والتي تحمل مجموعة من الحكم وتحتمل مجموعة من التأويلات، ولعل ما استهواني في هذه القصيدة إلى جانب جمالية العبارة، ذلك الجانب الصوفي، فالمعرفة ها هنا لا يتم إدراكها عن طريق الاحتكام للعقل بل عن طريق الكشف، الذوق والعرفان، كقولها" يا شيخ الحضرة وريني منين نبدا"، وهنا يتضح أن العقل ليس في شيء أن يكون وحده ذلك الطريق الملكي لبلوغ الحقائق، بل تتعدد الطرائق، كما أنها تبرز في هذه القصيدة نظرتها للواقع، وهي نظرة تعتبر من خلالها الوجود جميل، وقد توسلت لمفهوم "اللذة" لإبراز هذه النظرة الجمالية كما هو الحال عند ابن سينا، على خلاف الكثيرين الذين يعتبرون أن الوجود شر وأنه خير للإنسان أن لا يوجد على أن يوجد، ويمثل هذا التصور في الفلسفة الإسلامية صدر الدين الشيرازي.

عندما نتمعن مليا  في ديوان الأستاذة فاطمة المعيزي نجده عبارة عن كل بأجزاء متناثرة٬ على شكل شذرات مستقلة٬ ترتبط ببعضها بشكل ضمني وعلى القارئ اكتشاف خيوط المعادلة٬ وتنظيمها بداية من واجهة الكتاب  حتى آخر صفحة في الديوان، وقرائتنا السوسيولوجية ستنكب على  الواجهة٬ باعتبارها تختزل جملة من المواضيع التي تطرقت إليها الكاتبة وسنركز هنا على معطيين أساسيين وهما الألم و الأمل٬ باعتبار الألم يمثله الظلام٬ والذي هو الواقع المؤلم والمرير٬ الذي تعيشه المرأة ويجثم بظلاله عليها، أما الأمل٬ فثمثله تلك النظرة الواثقة والابتسامة٬ والتي من خلالها تتحدى الفتاة/المرأة٬ وترفض القيود المفروضة عليها والسجن الذي وضعه المجتمع لها٬ وسوسيولوجيا فالظلام٬ هو المجال المغلق والمرسوم للمرأة من قبل المجتمع الذكوري ونسميه٬ بالمجال الخاص والذي تعرفه فاطمة المرنيسي من خلال كتابها "ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية"٬ بأنه مجال الحريم٬ مجال محدد بحدود المكان٬ وفي حدود السلطة الممارسة في إطاره٬ وفي حدود توزيع الأدوار بين الجنسين٬ مجال مبني إجتماعيا٬ ومنتج لسلطة مزدوجة. أما النور الذي يشير إليه الأمل وهو المجال الذي تتوق المرأة البروز والتموقع فيه وفرض الذات  ونسميه٬ بالمجال العام الذي يتسم بالصراع وغياب التواصل بين العناصر المختلفة وتواجد المرأة في المجال العام٬ إما مقرون بمرافقتها من طرف أحد ذكور العائلة٬ أو من طرف امرأة مسنة٬ بمعنى من لهم سلطة على تلك المرأة أو بحملها للحجاب٬ وهذا ماعنونت به فاطمة المعيزي إحدى قصائدها٬ "كالوا غطي راسك...غطيناه...كالوا الهوى حرام...صدقناه...كبرت أنا...و اللي ف كلبي...كبرناه"٬ وهذا ينسجم مع ما أكدته المرنيسي ودققت فيه مليا حيث اعتبرت أن ارتداء الغطاء٬ أو الحجاب٬ فهو ليس كما نوقش في العديد من الأدبيات السوسيولوجية على أنه حماية المرأة من الرجل٬ بل هو آلية لمراقبة المرأة وحماية الرجل منها٬ وبالتالي الحفاظ على الهندسة الاجتماعية٬ لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة٬ إذن نتساءل هنا من الذي يملك القوة والقدرة على إفساد هذه الهندسة؟

إنها المرأة٬ أو بالأحرى جمال المرأة٬ لأن جمال المرأة فتنة تؤدي إلى الفوضى فما يملك القوة إذن٬ وهذا ما يجعل خوف الرجل والمجتمع من المرأة٬ يجبرها على ارتداء الحجاب٬ أو أن ترى المجتمع الذكوري من  وراء حجاب.

في الختام لا يسعني إلا أن أشد بحرارة على يدي الشاعرة فاطمة المعيزي على كامل ثقتها بي وتشريفي بتقديم قراءة في ديوانها "ضفاير لالة" متمنيا أن أكون في مستوى تطلعات الشاعرة وحسن ظن الحضور.


مقالات دات صلة

التعليقات