الفن والذوق العام

أثار انتباهي كثيرا عمود كهربائي أمام واحهة متحف الرباط، باعتباره عملا فنيا أو بالأحرى أثرا فنيا. فلقد انتقلت ذائقة حديقة المتحف من التلذذ ب "إبهام" النحات الفرنسي سيزار إلى الاستمتاع بعمود معوج، يبدو أن صاحبه استعاره من احدى شركات الكهرباء بالمدينة. تساءلت مع نفسي فقلت: إما أن القيمين على المتحف يستهزؤون من أنفسهم، أو أنهم يسخرون من الجمهور المغربي المتذوق للفن المعاصر، ثم بدا لي الجواب عن تساؤلي واضحا حيث إن هذا الجمهور لا يهمه ما يجري في كواليس الفن الراهن ولا ما يطبخ في دواليبه، إذ أن عامة الناس أصلا، رافضون وغير مقتنعون بما يتداول هنا وهناك في السنين الأخيرة من فن تشكيلي خاصة وفنون أخرى عامة. فما يتداول في القاعات العمومية، وما تتبناه الجمعيات الجهوية والوطنية والاتحادات، وما تنظمه المهرجانات من حين لآخر من فن تشكيلي حديث لا يرضي الجميع. وهذه حقيقة أصبحت واضحة يعلق عليها باستمرار، وتنتقد في الصحف الورقية والإلكترونية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. فسواء كان المتلقي مثقفا، له دراية بالفن أو غير مثقف، فهو يميل ميلا شديدا ويتجاوب مع اللوحة المحملية، الواقعية المعبرة والواضحة المعالم، تلك اللوحة التي لا تستعصي عليه ويجد سهولة في فهم خطابها وتفكيك رموزها، اللوحة البعيدة عن التجريد. وهذه النظرة هي المهيمنة على عقول المهتمين بالفن التشكيلي على صعيد العالم العربي ككل، والشاهد على ذلك، مثلا، مسابقة لندن الأخيرة التي حصد بها فنانون تشخيصيون الجوائز الأولى. فأعمالهم تستحق تلك الجوائز لأنها تتميز بتقنيات فنية عالية، وتستجيب للمعايير التي وضعها المنظمون، وتعكس شخصية فنانين لهم موهبة ويتوفرون على مهارات تقنية متميزة لا يضاهيهم فيها أحد في تلك المسابقة.  

ويبقى الفن التشخيصي في نظرهم، هو الأكثر والأقوى تعبيرية، والحامل لمهارات تقنية لا يمتلكها التعبير التجريدي، المعروف ببساطته وسهولة التعامل معه وبه. كما أن التشخيص أقرب إلى التعبير عن الواقع الاجتماعي والمجتمعي للأفراد والجماعات، بينما التجريد غارقا في الغموض وعدم الفهم والنخبوية، هذا اعتقاد ليس مقصورا على "العامة" بل نجده كذلك لدى الفئة المثقفة. وخير دليل ما جاء في كلام المفكر المغربي عبد الله العروي حينما تحدث عن الفن التجريدي قائلا: " آفتنا الكبيرة هي التجريد(...) ما ألاحظه بصدد الرسم التجريدي بالمغرب، هو ما كنت آسف له بخصوص الرواية. غياب تشخيص (تمثيل) مباشر للواقع (...) ما يحزنني، هو أنه إذا أردنا بعد خمسين أو مائة سنة أن نكون فكرة عما كان عليه المشهد الطبيعي المغربي، عما كانت عليه الطبيعة المغربية فلن نستطيع أن نطلب من الرسم أن يساعدنا على ذلك. كيف كانت الطبيعة في ضواحي الرباط أو الدار البيضاء؟ أمام هذا السؤال سيبقى الرسم صامتا". لا أبالغ إذا أجزمت بأن هذا هو التصور السائد لدى عامة الناس من المتذوقين والمتتبعين لحركة التشكيل في المغرب، فأنت رسام ماهر بمعنى الكلمة إن كنت تجيد الرسم تقنية وقواعد، أما وأنت تشكل لوحة من ألوان وأشكال فهذا تعبير على أنك دون مستوى المهارة والحذق والإبداع.


THIS IS AN OPTIONAL

مقالات دات صلة

التعليقات