الفن المعاصر هو خروج عن تاريخ الفن

ها هو متحف الفن الحديث والمعاصر اليوم يتصدر مشهد الفني التشكيلي، إلى جانب بعض الأروقة الخاصة، مساهما في بناء صرح تاريخ الحركة التشكيلية المغربية، ذلك التاريخ الذي يبقى في نظرنا لم يكتب بعد. إلا أنه رغم ما يتوفر من دعم وتمويل مادي لتفعيل عملية التدوين هذه، يبدو جليا أن جعبة القيمين على تلك الفضاءات فارغة وأن ليس لديهم ما يقدمونه للجمهور المغربي "غير لغة الهدم التي صارت بالنسبة إلى العرب لغة للفنون المعاصرة". فالجميع، فنانون ونقاد وقيمون على الفضاءات الفنية، أصبح يرى ضرورة القطيعة مع التاريخ الفني الذي كتبت على صفحاته الأولى فصول "الحداثة الفنية المغربية". لكن عن أي تاريخ وأي حداثة نتحدث؟ أهناك تاريخ سبق أن أرسينا قواعد صرحه حتى نجيز لأنفسنا تجاوزه والقطيعة معه، على غرار تجاوز أوروبا لتاريخها الفني العريق؟ أحققنا حداثة فعلية وحقيقية ننافس بها "الآخر"، ونكون قد أضفنا بها شيئا إلى الحداثة العالمية، ومن تم يشرع لنا الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحداثة؟ إن القطيعة التي ننادي بها ونشجع من يعمل على تحقيقها هي تعبير عن جهلنا بفننا وتاريخه، قديميه وحديثه، ف "صار (الجهل) مشروعاً للتجهيل المطلوب من الجهات الراعية". وأن عملية التجهيل هاته ستخلق "أجيالا من الفنانين ستكون مضللة تحت عباءة ما بعد حداثتها". (نفس المصدر)

لا جدوى، ونحن أمام هذا الموقف، من التفكير في عناصر تعبيرية نوظفها أثناء قراءتنا لنص تشكيلي ينتمي إلى ما بعد الحداثة. وأقصد هنا تلك العناصر التي ألفنا استعمالها مثل "كل ما يعكسه النص من خط ولون وكتلة وفضاء، وما ينشأ عن كل ذلك من علاقات مركبة، تناغماً وإيقاعاً وتضاداً وانسجاماً، ثم ما يحدث من جدل بين هذه العلاقات، سواء في العمل الفني ذاته، أو فيما يحدثه في المتلقي انفعالياً". 

فلم يعد مسموحا ولا مشروعا اعتماد اللون والخط والكتلة والفضاء والتناغم والإيقاع والتضاد والانسجام وغير ذلك من أدوات أبجدية الفن التشكيلي التقليدية لقراءة وتحليل وتقييم منجز فني ينتمي إلى الفن الراهن بمجمله. فهذا الفن اخترق كل القواعد والمقاييس التي كان معمولا بها في السابق، وانتهك كل الأعراف التي انبنى عليها النقد الفني والجمالي، بشتى مدارسه ومناهجه ونظرياته، منذ ظهوره إلى فترة أواسط القرن العشرين. ورغم محاولات النقاد المعاصرين لبناء أسس نقدية تمكنهم من تناول أعمال الفن المعاصر، فإن تلك المحاولات لم تفلح في وضع معايير دقيقة تبنى عليها نظرية نقدية معاصرة. "إنه لمن المفارقة اليوم أن نأسف عن اختفاء المعايير الجمالية للحكم على الفن المعاصر والعمل لصالح إحياء أو خلق القيم". 

فمن يعتقد أنه مازال في وسع النقد الفني استعمال الأدوات التي استعملت لقراءة أعمال الفنين الكلاسيكي والحديث فهو واه بلا شك. وهذا الخطأ وقع فيه العديد من النقاد الغربيين، والفرنسيين منهم على الخصوص، محاولين قياس الفن المعاصر من خلال تلك الأدوات المتجاوزة، وبالتالي انقسموا على أنفسهم إلى ثلاث طوائف: طائفة جد متطرفة ترفض الفن ما بعد حداثوي جملة وتفصيلا، وأخرى متساهلة شيئا ما، تقبل جيله الأول وترد الجيل الثاني، وثالثة ترى في هذا الفن المعاصر فن الزمن الراهن لأنه يعكس الألفية الثالثة وعولمتها وتطورها المعلوماتي والسبرنيتي.

محمد خصيف




THIS IS AN OPTIONAL

مقالات دات صلة

التعليقات