قراءة المتلقي دعوى للمساهمة في بناء العمل الفني

لا أبالغ إذا قلت بأن القيمين على متحف الحديث والمعاصر الرباطي يسخرون من ذائقة المتلقي المغربي، سواء عن جهل أو بتجاهل. فما معنى أن ينشر عمود كهربائي عادي جدا، معوج بحديقة المتحف، متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، باعتباره عملا فنيا؟ أحقا يعتبر ذلك العمود عملا فنيا؟ أيجوز اتخاذه كمنجز من منجزات الفن المعاصر؟ ما هو الخطاب الذي يحمله بين ثناياه؟ أهو خطاب بيان، أم احتجاج، أم استفزاز أم سخرية وتهكم؟ لا أدري مادام " الفنان" لم يعبر هو نفسه عن نواياه ومقاصده. ربما يمكن القول إنه ينوي فتح مجال لحوار ولردود تكون نابعة من المتلقي كي يساهم بدوره في تجسيد فكرة الفنان؟ 

حينما فتح الأمريكي جيف كونس(1955) Jeff Koons  رواقا للعرض بإيطاليا، وتركه فارغا لم يعرض فيه شيئا، أثار هيجان وغضب العديد من النقاد المتتبعين مساره الفني وخصوصا منهم الذين يقفون معارضين في وجه فنون ما بعد الحداثة، فبدأت الكتابات المتنوعة الرؤى والمشارب تتناثر على صفحات المجلات المتخصصة وملحقات الجرائد الثقافية، وبات الجميع يتحدث عن تصرف كونس غير العادي. وبذلك يكون الفنان قد حقق مبتغاه، بخلق زوبعة من الخطابات Discours حول فكرته التي لم يكن من ورائها شيء حقيقي وعياني يثير الانتباه والفضول، فيصبح عمل جيف كونس عملا مفاهيميا Conceptuel ينتمي حقيقة إلى الفن المفاهيمي الذي من سماته الرئيسية أنه يعتمد بالضرورة على الفكرة واستدعاء المتلقي للمساهمة في تحقيقها وبناء نسيجها. وبما أن فعل كونس أثار مجموعة من الخطابات (الجمالية)، فهو مقبول إذاً كعمل فني. هناك من النقاد الغربيين، الفرنسيين على الخصوص، من اعتبر فعل جيف كونس نسخة لما سبق أن قام به الفنان الفرنسي إيف كلان Yves Klein  (1928-1968) في بداية ستينيات القرن الماضي، حينما استدعى الجمهور لحضور معرض " الفراغ" (Le Vide) برواق فارغ. الفكرة لها دلالة كبيرة في أوساط الفن الراهن، ذلك أن بعض الأعمال ومقاصد الفنانين عبارة عن دعوى موجهة إلى المتلقي كي يساهم في بناء العمل الفني، نظريا، فيصبح بذلك طرفا فاعلا في إنتاجه. فالفن المعاصر، وحتى الحديث تبقى أعمالهما مفتوحة وقابلة للتأويلات المختلفة والمتنوعة، حسب فكرة "الأثر المفتوح"(1) التي تناولها إمبرتو إيكوUmberto Eco (1932 – 2016) في كتابه الذي يحمل نفس الاسم.(L’œuvre ouverte)  رغم أن إمبرتو إيكو تناول في تحليله ودراسته أعمالا فنية غير حداثوية وقصد بالشخص المساهم في بناء العمل الفني "المؤول الذي يتدخل في العمل الفني (ويؤديه) كالعازف الموسيقي".

إن المنجز الفني حينما يغيب فيه الموضوع العيني ويبتعد عن التشخيص الواقعي الوصفي يكون عرضة لتفسيرات وتأويلات الذين يستقبلونه، كل حسب ثقافته وميولاته الفكرية، ربما يتقاطع "المؤول" مع ما يريده صاحب العمل وما يقصده وربما يختلف معه. "إن المؤلف يقدم للمؤول أثرا يحتاج أن يكمله" (إيكو). فالعمل الفني يبقى دائما متعدد المعاني polysémique، و "لا يوجد معنى حقيقي في النص"، كما قال الكاتب/الشاعر/الفيلسوف الفرنسي بول فاليري Paul Valéry (1871-1945).

"إن تسمية أي موضوع يعني استبعاد ثلاثة أرباع من متعة القصيدة التي هي السعادة المصاحبة للتخمين" ستيفان ملارميه Stéphane Mallarmé (1842-1898). فما يجري على النص الأدبي الشعري أي القصيدة، يجري كذلك على النص التشكيلي. فحينما نصاحب عملا تشكيليا بعنوان أو نحدد له تيمة معينة، فإننا نضيق على المتلقي متعته وتلذذه وبالتالي نوجهه نحو القناة التي حددنا قبلا مداخلها. وهذا توجه خاص بالفن التشخيصي البسيط في واقعيته، أما الأعمال التشخيصية الأصيلة، الصعبة المنال فليس في مقدور أي كان أن يقرأها دون أخذ بعين الاعتبار نسقها الفكري والفلسفي والإيديولوجي الذي نمت فيه وترعرعت، وخير مثال على ما أقول أعمال عصر النهضة الأوربية. ولا أريد أن أفصل في هذا الباب حتى لا أخرج عن الموضوع الذي أنا بصدد الخوض فيه، ولمن يريد المزيد يمكنه الاطلاع على كتاب الناقد Erwin Panofsky (1892-1968) (2)، وتبقى أبحاث هذا المؤرخ/الناقد حول ما أسماه "رمزية الأشياء المخفية" أساسية لفهم واستيعاب فنون عصر النهضة.

هوامش

إمبرتو إيكو – الأثر المفتوح، ترجمة عبد الرحمان بوعلي، ط. الثانية 2001، دار الحوار للنشر والتوزيع-اللاذقية، سورية

Erwin Panofsky – l’œuvre d’art et ses significations, Tr. Marthe et Bernard Teyssèdre, Ed. Gallimard, 1969  



THIS IS AN OPTIONAL

مقالات دات صلة

التعليقات