لماذا نزعل؟

إن الفنان التشكيلي العربي لا يمثل تيارا فنيا وليس رائدا لاتجاه تشكيلي بعينه، حتى يزعل وينتفض حينما توجه انتقادات رصينة وعلمية لذلك التيار أو لذلك الاتجاه. فالفنان التشكيلي الممارس لقواعد المدرسة الانطباعية مثلا، والذي يتقن تقنياتها ويحيط بجماليتها، وربما تفوقت أعماله على أعمال روادها ورسومه على رسومهم، لن يعتبره التاريخ والنقد أبدا فنانا انطباعيا، وإلا سيجد نفسه متشبتا بمؤخرة القطار، قطار رحل منذ مايزيد عن قرن من الزمن، ونفس الملاحظة يمكن تعميمها على باقي المدارس التشكيلية الغربية. وحينما أكون في مؤخرة القطار فبالطبع هناك ركاب في المقدمة، استقلوا مقاعدهم وارتاحوا بينما أنا المعلق بالمؤخرة أستنشق الدخان الأسود والغبار وأتعثر في الجري، مرة أقفز على عتبات المركبة ومرات عديدة أجري حافيا لاهثا دون أن أصل إلى الهدف. 

كلنا نسعى للرفع من فنونا وإبداعاتنا لإيصالها إلى مستوى العالمية والكونية، ولا أقصد بالعالمية ما حققه بعض الفنانين العرب من مبيعات قياسية وعروض في صالات أوروبية وأمريكية وخليجية. ليست هذه هي العالمية التي بها نكون كعرب مساهمين في الفكر التشكيلي العالمي. فمهما وصلت ابداعاتنا الحالية بشتى توجهاتها واتجاهاتها فهي متأخرة عن الركب، إذ نحن لاننتج إلا بعدما يكون الآخر قد سبقنا للفكرة وحققها، ومن تم نجد أنفسنا نأخذ القشور ونرمي اللباب. لن نتقدم بإعادة نسخ قواعد التشخيص بأنواعه أو التجريد بمدارسه أو التستر بغطاء الحداثة و ما بعد الحداثة...الإشكالية أعمق من ذلك وتتجاوز صعابها ماتراه العين دون الفكر ومايشاهده البصر دون البصيرة. إذا، أخي الفنان العربي لاتقلق أبدا حينما يوجه النقد إلى أسلوب فني أنت تمارس آلياته ولست من مبدعيها ولاتنتمي إلى أصولها التاريخية، وإلا ستكون مثل المدافع عن بدعته معتقدا أنه على الدين الصحيح، كما قال الفقاء. أرسم ماشئت، وتتبع ماشئت من الأساليب الفنية وأكيد أنك تتوفر على مؤهلات تقنية بارعة يشهد لها الجميع ويستشهد بها في المحافل القطرية والدولية، واعلم أنك كإنسان مبدع، مجتهد لست المقصود من النقد، بل المنظومة الفكرية بمجملها، بكل حيثياتها وملابساتها وتمفصلاتها. وتحضرني هنا  انتفاضة فناني الحداثة الفنية المغربية في ستينات القرن الماضي ضد التوجه الثقافي السياسي الكولونيالي الذي أخذ على عاتقه  التعريف بالفن التشكيلي المغربي ، فاتخذ الفنان الفطري كأيقونة لهذا الفن. فالمجموعة لم توجه النقد إلى الفنانين كأشخاص، بن علال أو الورديغي أو الإدريسي، بل كانوا يحترمونهم ويقدرون منجزاتهم، والدليل مشاركتهم بجانبهم في معارض وطنية ودولية، لكنهم كانوا يرون أن السياسة الموروثة عن المستعمر لن تفيد في الدفع بطليعة الفن التشكيلي الحديث. (النقاش مفتوح) 

محمد خصيف

THIS IS AN OPTIONAL

مقالات دات صلة

التعليقات