لا تضيئي النور يا أمي ففي قبرك من الضوء ما يكفيك ويكفيني

لا تضيئي النور يا أمي ففي قبرك من الضوء ما يكفيك ويكفيني
لا تضيئي النور يا أمي ففي قبرك من الضوء ما يكفيك ويكفيني

(1)

أن أتواجد في كل مكان، دون أن أقبض على أي مكان.

ذاك ما تمنحني إياه القراءة، خاصة حين أواعدها على فتنة مأهولة بي وبها، وأرافقها إلى عوالم الرهافة، دون أن أكتفي بانتظار طلتها عند منعطف، ومفترق، وملتقى.

مصون الستر كنت، إلى أن كشفت غبطة القراءة ستري.

حين تفتح الكتب مصاريع أبوابها، لا يلج عتباتها ذات الضوء الأعلى، إلا الراسخون في الجنون مثلي..!!

(2)

أغلق كتابا فيحل الظلام، وينزل العدم.

أفتح كتابا فأرى الحياة تتفتح، ألمحها تبدأ من جديد.

أمام خزانة كتبي، أقف الٱن، أقف وأستعيد عمرا يثوي بين طياتها، وحياة تغلي في حيز صفحاتها.

كل كتاب يناديني إليه، يصرخ:

– أقرأتني..؟!

– أقرأتني..؟!

من عباد الكتب أنا.

ها أنا أعترف.

لكني لست كاهنا إلا في معبد الحب.

(3)

“توقف عن القراءة، أنت تعمي عينيك”..!

تصرخ أمي، بينما أنا تحت لحاف الكتاب غاطس، أقاوم البرد بحرارة الحرف، وأقاوم القيظ بثلج الخيال.

كانت الكتب، التي ألتهمها كوجبة دسمة أمام جائع، أكبر من عمري، وأوسع من حياتي.

حين تيأس والدتي من استجابتي لندائها المتكرر، الذي يكمن فيه انقطاعي عن الحلم، تتأبط كل صمتها، ثم تتركني أدرب جهلي على اكتساب لياقة العلم، وأطل على العالم عبر عينين جائعتين، هما ما كنت أملك في زمن الوعي المتقد ذاك.

(4)

“أطفىء النور، الوقت متأخر”.

أذناي تحولتا إلى عينين، فكيف أسمع تحذيرك، يا أمي، كيف أسمعك بعينين سرقهما مني ورق ضاج بما يذهلني، وينسيني هل هو الليل من يمتطيني، أم هو النهار من ألوذ به..؟!

قولي لي كيف، قولي يا أمي..؟!!

فليتأخر الوقت.

فليتوقف إن شاء.

ما علاقتي أنا بسريان هذا الزمن، ما هو بزمن لي، زمني أنا ليس معكم، يا والدتي، إنه هنا، هنا، يشرق ثم يغيم في هذا الكتاب الذي يخطفني مني، ثم يأخذ بتلابيبي، ويطوح بي نحو المجهول..!!

عذرا أيتها السعدية الجميلة، عذرا، لن أطيعك أنت، وأعصي كتبا سخية معي مثل سخاء أمومتك.

فيا أمي:

لو كنت تدركي لجج اللذات التي يسبح في موج شهدها ابنك حسن، لتركت لي بعض ضوء أرى في إشعاعه تحولي المدهش من ظل باهت إلى قامة فارعة.

لكن، ٱٱٱه من زمن ضاع منك أنت، ويشعل الحرائق في ذاكرة ما ضاعت مني أنا.

(5)

ما كنت يوما مصابا بعسر القراءة.

وأبدا لن أكون.

حتى عندما عدمت السعدية، أمي، صبرها، وقطعت عن عيني وليلي ضوء القراءة، وجدت في الشمع ذاك المتسع الذي خول لي أن أواصل أحلامي المتأججة في العبارة.

أجل.

سواء عبر الضوء، أو بواسطة الشمع، نجحت دوما في كسب رهان الخلاص من سلطة الزمن، عبر تحرر القراءة.

إذ كيف أقاوم عوارض الحياة المؤلمة، كيف أتغلب على تبعات العزلة المقيتة، دون أن أنام، كل ليلة، وأنا متوسد كتابا طاغيا،  وأستيقظ، كل صباح، لأكتشف (يا للروعة!) أنني ما كنت نائما إلا تحت أقدام كتبي..!!؟

(6)

وها أنا، يا أمي، ها أنا في عزلة تشتاقك، أستدعيك إلي كلما انفردت بكتاب، أو لذت بذاكرة.

تتحول صفحات الكتب، التي أطالعها بشغف وحدك تعرفينه، إلى أسماء ووجوه، وفي صدارتها اسمك ووجهك، أيتها الأم الرائعة التي رحلت بتوقيت الضوء.

لو عشت، حتى الٱن، وألم بك ما نكابده نحن، الٱن، من عزلة وحجر، لكنت رددت معي موالي المتناسل كل ليلة:

اقرأ كتابا تتجنب اكتئابا..!!

(7)

فيا أمي:

لست في حاجة إلى أن تضيئي النور، مثل ابنك حسن، فقبرك فيه من الضوء ما يكفيك، ويكفيني..!

مستجدات