.

حليمة الفراتي في الرباط (Villa des Arts) : الطبيعة الصامتة كقصيدة بصرية تستحضر الموروث المغربي

حليمة الفراتي في الرباط (Villa des Arts) : الطبيعة الصامتة كقصيدة بصرية تستحضر الموروث المغربي

قراءة نقدية في معرض يمزج بين الواقعية المفرطة والنَفَس السريالي داخل Villa des Arts

 

  • الرباط – بوشعيب خلدون

في فضاء Villa des Arts de Rabat بالعاصمة الرباط، كان لعشاق الفنون التشكيلية موعد مع اكتشاف تجربة الفنانة حليمة الفراتي، التي تقدم معرضها «طبيعة صامتة»، الممتد إلى غاية 31 ماي الجاري. معرض يفتح أمام الجمهور تجربة بصرية شديدة الخصوصية، تنبع من عمق الهوية المغربية وتفيض بحنين واضح إلى الجذور.
افتتح المعرض يوم 16 أبريل بحضور لافت لنخبة من الفنانين والمبدعين في مجالات الموسيقى والمسرح والسينما والفن التشكيلي، حيث تحولت الأعمال المعروضة إلى فضاء للتأمل في سرديات بصرية تستحضر التراث المغربي، ضمن رؤية فنية تمزج بين دقة الواقعية المفرطة ونَفَس سريالي يمنح اللوحات بعداً تخييلياً مفتوحاً.
قصائد بصرية من عمق التراث
في تجربة حليمة الفراتي، لا يكون اللون مجرد عنصر تشكيلي، بل يتحول إلى نص صامت يحاور الذاكرة ويستدعي تفاصيل الحياة المغربية التقليدية. تشتغل الفنانة على مفردات بصرية مألوفة—كالزليج والأواني الفخارية—لكنها تعيد ترتيبها داخل مشاهد هادئة، توازن بين الجمال الروحي والحمولة الثقافية.
بهذا المعنى، لا تقدم الفراتي إعادة إنتاج للتراث، بل تمارس نوعاً من التأويل البصري الذي يمنح هذه العناصر حياة جديدة داخل اللوحة. إنها تحوّل الأشياء اليومية إلى رموز، وتستثمر في سكون “الطبيعة الصامتة” لبناء خطاب بصري غني بالإيحاءات.
بين التقنية والرؤية
تعتمد الفراتي على الصورة الفوتوغرافية كمرجع أولي، لكنها تتجاوزها عبر تركيب بصري معقد يدمج أكثر من مشهد داخل لوحة واحدة. هذا الاشتغال يمنح أعمالها كثافة بصرية ويخلق نوعاً من التوتر بين الواقعي والمتخيل، خاصة من خلال الخلفيات التي تضيف بعداً سردياً غير مباشر.
كما أن التحكم الدقيق في الضوء والظل يعزز حضور العناصر داخل الفضاء التشكيلي، ويكسر سكونيتها الظاهرية، ليمنحها دينامية داخلية تُغني تجربة التلقي.
قراءة نقدية
من زاوية نقدية، تنجح حليمة الفراتي في تحقيق توازن بين البعد التقني والحس التعبيري، حيث توظف أدوات الواقعية المفرطة دون أن تفقد خصوصيتها الفنية. غير أن بعض الأعمال تميل إلى الانشغال بالجمالية الشكلية على حساب الجرأة المفاهيمية، ما يجعلها أقل حدة في طرحها النقدي.
ومع ذلك، تظل التجربة متماسكة، وتكشف عن وعي فني يسعى إلى إعادة قراءة الموروث المغربي بلغة معاصرة هادئة، بعيدة عن المباشرة أو الاستعراض.
حكّاءة بصرية بصمت الألوان
بحسّ شاعري ودقة بصرية، تقدم الفراتي نفسها كحكّاءة من نوع خاص، تنسج قصصها من صمت الألوان وتحوّل لوحاتها إلى تجارب تأملية. كل عمل فني لديها هو مرآة للوجدان المغربي، ودعوة للإنصات إلى ما تخفيه التفاصيل البسيطة من ذاكرة ومعنى.
في المحصلة، لا يقتصر معرض «طبيعة صامتة» على كونه عرضاً فنياً، بل هو تجربة حسية وفكرية، تعيد الاعتبار للأشياء اليومية وتكشف عن عمقها الرمزي داخل الثقافة المغربية.

مستجدات
error: جريدة أرت بريس