
- الصويرة: محمد طيفور
لم يعد الخطر الأكبر الذي يهدد المجتمعات يتمثل في الأزمات الاقتصادية والسياسية وحدها. هناك أزمة أعمق تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية: أزمة القيم. كراهية تنتشر، وعنف يتصاعد، وتنمر يتحول إلى سلوك عادي، وخطابات تحرض على الآخر، وشباب يجد بعضه نفسه في مواجهة الغضب والإحباط والفراغ، بعيدا عن فضاءات تمنحه الأمل والمعنى والقدرة على المشاركة.
المشهد العالمي يدعو إلى القلق، وسائل التواصل قربت المسافات بين البشر، لكنها فتحت أيضا أبوابا واسعة أمام خطاب الإهانة والتحريض والتعصب. وأصبح من الممكن لكلمة واحدة أن تشعل غضب الآلاف، ولمحتوى قصير أن يصنع خصومة، ولحملة رقمية أن تحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى عداوة.
الأخطر أن الكراهية عندما تتكرر أمام الشباب، وعندما تصبح جزءا من المحتوى الذي يستهلكونه يوميا، قد تتحول تدريجيا إلى سلوك، ثم إلى موقف من الآخر، ثم إلى استعداد للعنف والإقصاء والتخريب.
وهنا لا يكفي أن نسأل: كيف نعاقب من يخرب؟.
السؤال الأكثر أهمية
هو: كيف نمنع الشاب أصلا من الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها التخريب خيارا؟ كيف نحول الغضب إلى طاقة للإبداع؟ كيف نحول الإحباط إلى طموح؟
كيف نحول وقت الفراغ إلى تعلم واكتشاف ومبادرة؟ كيف نجعل الشاب يشعر أن وطنه يحتاج إلى علمه وطاقته وأفكاره، وأن مستقبله مرتبط بمستقبل هذا الوطن؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تكون حاضرة بقوة في النقاش العمومي المغربي ونحن مقبلون على الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وما ستفرزه من أغلبية برلمانية وحكومة جديدة.
اقتراح مواطن للحكومة المقبلة
من هذا المنطلق، وبصفتي مواطنا أعمل منذ سنوات طويلة في مجال نشر وتعزيز وتكريس القيم الإنسانية، خصوصا في أوساط الشباب، أضع أمام الأحزاب السياسية والمرشحين والحكومة المقبلة فكرة تستحق النقاش الجاد:
لماذا لا يحدث المغرب وزارة للتسامح والتعايش والقيم الإنسانية؟
قد يبدو الاقتراح، للوهلة الأولى، مجرد إضافة مؤسسة جديدة إلى الهيكلة الحكومية، فجوهر الفكرة أعمق من ذلك بكثير.
المطلوب وزارة تحمل مشروعا وطنيا لبناء الإنسان، وتعمل على جعل قيم الاحترام والتسامح والتعايش والحوار والتضامن والمواطنة ونبذ الكراهية والعنف جزءا من الحياة اليومية.
لقد أدركت دول أخرى أهمية هذا المجال، ومن بينها دولة شقيقة هي الإمارات العربية المتحدة التي أحدثت سنة 2016 “وزارة التسامح”، ثم تطور اختصاصها ليشمل قيم إنسانية أخرى، فغيرت إسمها إلى “وزارة التسامح والتعايش”.
يمكن للمغرب أن يدرس هذه التجربة ويستفيد من جوانبها، مع ابتكار نموذج مغربي يستند إلى خصوصية المجتمع المغربي وإرثه الحضاري والثقافي، وإلى ما راكمه المغرب من تجارب مؤسساتية ومدنية في مجال حقوق الإنسان والتربية والثقافة والشباب.
مغرب لا مكان فيه للكراهية
الهدف الأساسي من هذه الوزارة المقترحة ينبغي أن يكون واضحا: بناء مجتمع خال من الكراهية تجاه أي إنسان.
لا ينبغي أن يكره المغربي إنسانا بسبب دينه،
ولا بسبب جنسيته، ولا بسبب معتقده، ولا بسبب أصله أو لغته أو ثقافته، ولا ينبغي أن تتحول الاختلافات الإنسانية إلى مبرر للإهانة أو العنف أو الإقصاء.
إن احترام الإنسان لا ينبغي أن يكون مشروطا بهويته، يمكن أن نختلف في الدين والفكر والسياسة والثقافة واللغة والاختيارات، ويمكن أن تكون بيننا قناعات متباينة جذريا، لكن الاختلاف لا يمنح أحدا حق إلغاء إنسانية الآخر أو إهانته أو التحريض عليه.
نريد مجتمعا يستطيع فيه اليهودي والمسيحي والمسلم، والمتدين وغير المتدين، والمغربي والأجنبي، وكل إنسان مهما كانت ديانته أو جنسيته أو معتقداته، أن يعيش في فضاء تحكمه قاعدة بسيطة وعميقة: “أختلف معك، لكنني أحترم إنسانيتك”.
المغرب والقيم الإنسانية… من رصيد حضاري إلى قوة مؤسساتية عالمية.
لم يعد حضور المغرب في مجال القيم الإنسانية مجرد صورة عابرة أو خطابا دبلوماسيا، وإنما أصبح رصيدا متراكما يستند إلى تاريخ المملكة وانفتاحها على العالم، وإلى تجربة جعلت من الحوار والتسامح والتعايش واحترام الاختلاف جسورا للتقارب بين الشعوب والثقافات.
لقد استطاع المغرب، على امتداد عقود، أن يرسخ لنفسه موقعا متميزا في المشهد الدولي باعتباره فضاء للحوار وملتقى للثقافات والحضارات، مستفيدا من تعدده الثقافي وانفتاحه التاريخي على مختلف مكونات العالم. وقد جعل هذا الرصيد المملكة حاضرة بقوة في المبادرات واللقاءات الدولية التي تنشد السلام والتفاهم والتقارب بين الشعوب.
جلالة الملك محمد السادس… رؤية ترتكز على السلام.
وفي قلب هذا المسار، تبرز الرؤية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، والتي جعلت من الحوار والتعايش والانفتاح والتقارب بين الشعوب والثقافات عناصر أساسية في حضور المغرب وإشعاعه.
وقد ارتبط اسم جلالة الملك، بمبادرات ومواقف تؤكد أهمية الحوار ونبذ الصدام والانتصار للإنسان، الأمر الذي جعل المغرب يحظى بتقدير واسع لدوره في الدفاع عن قيم السلام والتعايش والتفاهم بين الثقافات.
إن الحديث عن المغرب كبلد للقيم الإنسانية لا ينفصل، إذن، عن هذا الاختيار الذي يمنح للإنسان مكانة مركزية، ويجعل من الاختلاف عاملا للإثراء والتكامل، لا سببا للانقسام والصراع.
المغرب… فضاء مفتوح للحوار والتعايش.
ولا تتوقف هذه الدينامية عند المبادرات الرسمية، وإنما تجد امتدادها في الحياة الثقافية والفنية والمجتمعية للمملكة.
فطيلة السنة، تحتضن مختلف المدن المغربية مؤتمرات ومنتديات وملتقيات ومهرجانات وفعاليات ثقافية وفنية ورياضية واجتماعية، تلتقي فيها جنسيات وثقافات وتجارب متعددة، لتتحول المملكة إلى فضاء حي للحوار والتبادل الإنساني.
وتكتسب هذه التظاهرات أهميتها من كونها لا تكتفي بالاحتفاء بالثقافة والفن، وإنما تجعل من الاختلاف والتنوع والتواصل الإنساني أدوات لبناء جسور جديدة بين الناس.
الصويرة… حين تتحول القيم الإنسانية إلى هوية مدينة.
ولعل مدينة الصويرة تقدم واحدة من أكثر الصور وضوحا لهذا النموذج المغربي.
فهذه المدينة، التي ارتبط اسمها تاريخيا بالتعدد والانفتاح والتعايش، لم تجعل من تنوعها مجرد جزء من ذاكرتها، وإنما حولته إلى قوة ناعمة وإلى عنصر أساسي من عناصر إشعاعها الثقافي والإنساني.
فعلى مدار السنة، تستقبل مدينة الصويرة مهرجانات وملتقيات وفعاليات فنية وثقافية تجمع مغاربة وأجانب من مشارب مختلفة، في مشهد يعكس قدرة الثقافة والفن على تجاوز الحدود وصناعة مساحات مشتركة للحوار والتفاهم.
ومن الصعب الحديث عن هذه التجربة دون استحضار شخصية أندري أزولاي، مستشار جلالة الملك والرئيس المؤسس لجمعية الصويرة موكادور، الذي كرس جانبا مهما من مساره للدفاع عن قيم الحوار بين الثقافات، والتعايش، والتعدد، والانفتاح.
لقد أصبحت الصويرة، في جانب كبير من إشعاعها، نموذجا لمدينة تستطيع أن تجعل من ذاكرتها المتعددة جسرا نحو المستقبل، ومن الثقافة والفن وسيلة للتقريب بين الإنسان وأخيه الإنسان.
لماذا وزارة للقيم الإنسانية؟
من هنا تبرز فكرة إحداث وزارة للقيم الإنسانية باعتبارها مقترحا يستحق النقاش الجدي، خصوصا إذا استحضرنا الرصيد الذي راكمه المغرب في هذا المجال.
فالأمر لا يتعلق بإحداث مؤسسة لتقديم توجه جديد على المملكة، وإنما بمنح إطار مؤسساتي قويا لرصيد قائم بالفعل، وتحويله إلى سياسة عمومية متكاملة ذات أهداف واضحة وبرامج عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.
ويمكن لمثل هذه الوزارة أن تعمل على تنسيق المبادرات المتعددة التي تقوم بها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والجامعات والفعاليات الثقافية والفنية، وأن تفتح المجال أمام مبادرات جديدة تستهدف ترسيخ قيم الحوار والتسامح والتعايش واحترام الآخر، خصوصا لدى الأجيال الصاعدة.
كما يمكنها أن تجعل من التجربة المغربية نموذجا قابلا للتعريف والتقاسم على المستويين الإفريقي والدولي، وأن تمنح المملكة أداة مؤسساتية جديدة لتعزيز حضورها في النقاش العالمي حول مستقبل القيم الإنسانية.
المغاربة… القيم متجذرة في المجتمع.
والأهم من ذلك أن القيم الإنسانية ليست مفهوما غريبا عن المجتمع المغربي، فالمغاربة، بما راكموه من ثقافة وتقاليد وقيم اجتماعية راسخة، مرتبطون ارتباطا عميقاًة بمبادئ التضامن والكرم والتعايش واحترام الآخر.
لذلك، فإن الرهان ليس على تعليم المغاربة هذه القيم من جديد، وإنما على تقوية حضورها في الحياة اليومية، وتحويل الإيمان بها إلى ممارسة متواصلة، وإلى ثقافة مجتمعية قادرة على مواجهة مظاهر العنف والكراهية والإقصاء.
ومن شأن وزارة للقيم الإنسانية أن تشكل، في هذا الإطار، فضاء لتجميع الطاقات والمبادرات، وربط المؤسسات بالمجتمع المدني، وتشجيع المشاريع التي تجعل من القيم ممارسة حية وليست مجرد شعارات.
المغرب… من الريادة إلى المرجعية.
إن إحداث وزارة للقيم الإنسانية يمكن أن يشكل خطوة إضافية في مسار المغرب نحو تعزيز دوره كقوة ناعمة ومرجعية في مجال الحوار والتعايش والسلام.
فالمملكة تمتلك اليوم رصيدا تاريخيا وثقافيا وروحيا ومجتمعيا، يسمح لها بأن تطمح إلى أكثر من مجرد المشاركة في النقاش الدولي حول القيم الإنسانية، يمكنها أن تكون من بين الدول التي تساهم في صياغة هذا النقاش وتوجيهه.
وهنا تلتقي صورة المغرب بصورة الصويرة، ويلتقي الرصيد الوطني بالتجارب المحلية الناجحة، لتتشكل رؤية واحدة عنوانها الإنسان.
ومن ثم، فإن وزارة للقيم الإنسانية لن تكون مجرد إضافة إلى الهيكلة الحكومية، وإنما يمكن أن تكون تعبيرا مؤسساتيا عن هوية مغربية قائمة على الانفتاح والحوار والتسامح والتعايش.
وقد يكون هذا هو الوقت المناسب للانتقال من مرحلة الاعتراف بالرصيد المغربي في مجال القيم الإنسانية إلى مرحلة أكثر طموحا: مرحلة تحويل هذا الرصيد إلى قوة مؤسساتية فاعلة، تجعل من المغرب مرجعية دولية أكثر حضورا وتأثيرا في نشر قيم السلام والتعايش والإنسانية عبر العالم.
المدرسة اول ساحات المواجهة.
إذا أردنا مجتمعا خاليا من الكراهية، فعلينا أن نبدأ من المدرسة، فالمدرسة لا تصنع المتعلم فقط، إنها تصنع المواطن.
ينبغي أن يتعلم الطفل احترام زميله، وقبول اختلافه، ورفض التنمر عليه، والاستماع إلى رأيه، وحل الخلاف بالحوار.
ينبغي أن تتحول التربية على القيم من مفاهيم نظرية إلى ممارسة يومية، فالتلميذ الذي يتعلم التعاون، والمشاركة، ومساعدة زملائه، واحترام الاختلاف، سيكون أكثر قدرة على بناء مجتمع متماسك عندما يصبح شابا ثم مواطنا مسؤولا.
الملاعب أيضا تحتاج إلى ثقافة جديدة.
ملاعبنا يمكن أن تكون مدارس للتسامح، فالرياضة تقوم على المنافسة، والمنافسة لا تعني العداء. يمكن للجمهور أن يحب فريقه دون أن يكره الفريق الآخر. يمكن للاعب أن يحتفل بفوزه دون أن يهين منافسه. ويمكن للخاسر أن يتقبل النتيجة دون أن يلجأ إلى العنف.
هنا تستطيع الوزارة المقترحة، بالتعاون مع المؤسسات الرياضية، إطلاق برامج وطنية تجعل من الروح الرياضية وسيلة للتربية على احترام الآخر.
والشارع مرآة القيم الإنسانية.
القيم لا تنتهي عند باب المدرسة وداخل الملاعب. نريد أن تظهر في الشوارع والأسواق ووسائل النقل والإدارات والمقاهي والحدائق والأحياء. نريد أن يصبح الاحترام سلوكا طبيعيا. ومساعدة المسن فعلا عاديا، واحترام المرأة والطفل قاعدة ثابتة، والمحافظة على الملك العمومي مسؤولية مشتركة، ورفض العنف اللفظي والجسدي موقفا اجتماعيا عاما.
نريد مجتمعا يشعر فيه الإنسان أنه محترم في حياته اليومية.
الفضاء الرقمي… المعركة الجديدة.
ربما تكون هذه إحدى أهم ساحات العمل، فالشباب يقضي جزءا كبيرا من وقته داخل العالم الرقمي. وهناك ينبغي أن نعلمه أن حرية التعبير مسؤولية، وأن الاختلاف ليس حربا، وأن النقد ليس إهانة، وأن السخرية من هوية الإنسان أو دينه أو جنسيته ليست شجاعة.
نحتاج إلى برامج وطنية للتربية الرقمية، وإلى محتوى شبابي حديث يستخدم اللغة التي يفهمها الجيل الجديد. نحتاج إلى مؤثرين وفنانين ورياضيين ومبدعين قادرين على جعل التسامح قيمة جذابة، لا خطابا وعظيا مملا.
لا يمكن أن نقول للشاب فقط: لا تخرب، لا تعنف، لا تكره، لا تشتم، لا تتنمر.
ينبغي أن نقول له أيضا: تعال وابن معنا. تعال إلى المختبر. تعال إلى الجامعة. تعال إلى الملعب.تعال إلى المسرح. تعال إلى ورشة التكنولوجيا. تعال إلى العمل التطوعي. تعال وابتكر مشروعا. تعال واكتشف قدرتك.تعال وخدم مدينتك. تعال وساهم في بناء وطنك.
إن أفضل طريقة لسحب الشباب من الفراغ هي أن نعطيهم هدفا، وأفضل طريقة لمواجهة التخريب هي أن نجعل الشباب شركاء في البناء.
«شباب من أجل الوطن والإنسانية».
يمكن أن تطلق الوزارة المقترحة برنامجا وطنيا واسعا بهذا الاسم، يفتح أمام الشباب أبواب المشاركة في خدمة المجتمع.
شباب يحمون البيئة. شباب ينظفون الشواطئ. شباب يساعدون كبار السن. شباب يساندون الأطفال. شباب يشاركون في الأعمال التطوعية. شباب يطورون تطبيقات وحلولا تكنولوجية. شباب ينظمون أنشطة ثقافية وفنية ورياضية. شباب يحولون طاقتهم إلى إنتاج.
هنا يصبح حب الوطن ممارسة، لا مجرد شعار.
وزارة تقيس النتائج.
حتى تنجح الفكرة، يجب ألا تتحول الوزارة إلى مؤسسة بيروقراطية جديدة. نحتاج إلى مؤسسة ميدانية، علمية، ومبتكرة. مؤسسة تدرس أسباب العنف والتنمر والكراهية.
تستعين بالجامعات والخبراء وعلماء الاجتماع والتربية والنفس والإعلام الرقمي. تطلق برامج تجريبية. تقيس نتائجها.تطورها. وتصدر تقريرا وطنيا نصف سنوي او سنوي حول وضع القيم والسلوك المدني في المجتمع.
السؤال يجب أن يكون دائما:
هل أصبح مجتمعنا أكثر احتراما؟ هل تراجع التنمر؟. هل انخفض العنف؟. هل ارتفعت مشاركة الشباب في التطوع؟. هل أصبح الحوار أكثر حضورا؟. هل أصبح خطاب الكراهية أقل تأثيرا؟
نريد كفاءات شابة ذات خبرة.
ولأن هذه الوزارة ستتوجه بدرجة كبيرة إلى الأجيال الجديدة، فإنها تحتاج إلى طاقات شابة قادرة على فهم عالم الشباب. لذلك تحتاج إلى كفاءات تجمع بين المعرفة والخبرة والقدرة على التواصل والابتكار. كفاءات عاشت التجربة الميدانية، وعملت مع الشباب، وعرفت أسئلتهم وتطلعاتهم ومخاوفهم.
المطلوب قيادة تؤمن أن الشباب ليسوا عبئا على الدولة، وإنما أكبر استثمار يمكن أن يراهن عليه المغرب.
إلى الأحزاب والمرشحين.
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، أتمنى أن يصبح هذا الموضوع جزءا من النقاش السياسي. لا نريد برامج انتخابية تتحدث فقط عن الطرق والاستثمارات والمشاريع الاقتصادية. نريد أن نعرف أيضا: أي إنسان نريد أن نصنع؟. أي شاب نريد بعد عشر سنوات؟. هل نريد شابا يمتلك هاتفا ذكيا ويعيش في عالم تكنولوجي متقدم، لكنه يحمل كراهية تجاه المختلف؟ أم نريد شابا يجمع بين العلم والأخلاق، وبين التكنولوجيا والإنسانية، وبين الحرية والمسؤولية؟
المغرب الذي نريده بالفعل.
نريد مغربا لا مكان فيه للكراهية. مغربا يحترم فيه الإنسان الإنسان، مهما كانت ديانته أو جنسيته أو معتقده. مغربا يستطيع فيه المختلفون أن يعيشوا معا دون خوف من بعضهم. مغربا تكون فيه المدرسة فضاء للمحبة والتعلم. والملعب فضاء للمنافسة الشريفة. والشارع فضاءً للاحترام.والسوق فضاء للأمانة. والجامعة فضاء للمعرفة. والفضاء الرقمي فضاءً للتواصل المسؤول.
نريد شبابا يحلم بالمستقبل، لا شبابا يبحث عن معركة. نريد شبابا يصنع الحلول، لا الفوضى.
نريد شبابا يذهب إلى المختبر بدل الشارع بحثا عن الصدام. إلى الملعب بحثا عن المنافسة. إلى الجامعة بحثا عن المعرفة. إلى ورشة الابتكار بحثا عن الاختراع. إلى العمل التطوعي بحثا عن معنى جديد للحياة.
إن بناء مجتمع خال من الكراهية ليس حلما مثاليا. إنه قرار يمكن أن يبدأ اليوم،
وإحداث وزارة للتسامح والتعايش والقيم الإنسانية في الحكومة المغربية المقبلة، يمكن أن يكون إحدى الآليات المؤسساتية لهذا القرار.
فالدولة التي تستثمر في الطرق والموانئ والمطارات والتكنولوجيا، تحتاج أيضا إلى الاستثمار في الأخلاق التي ستحدد كيف يستخدم الإنسان كل هذه المنجزات.
القوة الحقيقية لأي وطن لا تقاس فقط بما يملكه من اقتصاد وتكنولوجيا، وإنما بما يملكه من إنسان يحترم الإنسان.
ولهذا فإن أعظم مشروع يمكن أن تقدمه الحكومة المقبلة للشباب هو أن تمنحه سببا جديدا للأمل، وفرصة جديدة للمشاركة، ومساحة جديدة للإبداع.
لا نريد أن نقول لشبابنا: لا تخربوا فقط. نريد أن نقول لهم: تعالوا نبني معا. تعالوا نبني وطنا لا مكان فيه للكراهية. تعالوا نبني مجتمعا يحترم الإختلاف. تعالوا نجعل المحبة سلوكا يوميا. تعالوا نجعل التسامح قوة. تعالوا نجعل العلم طريقا. تعالوا نجعل التكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان. تعالوا نجعل الشباب شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل.
المغرب الذي نريد أن نورثه لأبنائنا لا يحتاج إلى مزيد من الأبنية فقط، يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يسكنها بقلب مفتوح، وعقل متعلم، وضمير حي، وإيمان راسخ بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ.
إنه مجرد اقتراح من مواطن، فهل من أذن صاغية تقرأ ما بين السطور وتعي عمق الإقتراح وأبعاده الإستراتيجية؟؟.
















































