.

الفن التشكيلي بالصويرة.. من محلية التعبير إلى رحابة الأفق الإنساني ومن فضاء القاعات إلى رحابة الشارع

الفن التشكيلي بالصويرة.. من محلية التعبير إلى رحابة الأفق الإنساني ومن فضاء القاعات إلى رحابة الشارع
  • الصويرة: محمد طيفور

ليست الحركة التشكيلية في الصويرة مجرد مشهد فني يتعاقب فيه الفنانون والأعمال، وإنما هي مسار مفتوح على التحول، تتقاطع داخله أسئلة الهوية والذاكرة والجمال مع أسئلة الحداثة والانفتاح، فمنذ أن بدأ اللون يبحث لنفسه عن مكان داخل الذاكرة الصويرية، ظل الفن التشكيلي هنا في حالة سفر دائم، سفر من المألوف إلى المختلف، ومن التعبير عن المكان إلى مساءلة العالم من خلاله.
لقد تغيرت ملامح التجربة التشكيلية بالصويرة خلال السنوات الماضية، ولم يعد الفنان أسير محيطه المباشر أو سجين الموضوعات التي اعتاد استحضارها، فقد فتحت الدراسة الأكاديمية، والاحتكاك بالمعاهد والمدارس الفنية، والمشاركة في المعارض داخل المدينة وخارجها، أبوابا جديدة أمام التجارب المحلية، وجعلت الفنان الصويري أكثر تماسا مع تيارات وأساليب وتصورات تنتمي إلى فضاءات ثقافية متعددة.
وهكذا أصبح الاحتكاك بالآخر جزءا من عملية التكوين نفسها، إذ لا يكتفي الفنان بما يراه حوله، وإنما يعيد اكتشاف تجربته من خلال ما يلتقي به في الخارج. ومن هذه المسافة بين المحلي والعالمي تتشكل لغة فنية أكثر نضجا، قادرة على استيعاب اختلاف المرجعيات دون أن تفقد صلتها بجذورها.

من جدران القاعات إلى نبض الشارع.. اللوحة تقترب من الناس

غير أن التحول لم يتوقف عند حدود ما يقدمه الفنان، بل امتد أيضا إلى المكان الذي يختار أن يقدمه فيه، فالفنانون التشكيليون بالصويرة لم يعودوا يكتفون بالأروقة وقاعات العرض باعتبارها الفضاء التقليدي لاحتضان أعمالهم، وإنما أخذوا يخرجون باللوحة من جدرانها المغلقة إلى رحابة الشارع العام.
وهنا تكتسب التجربة بعدا جديدا، فالشارع الصويري، بما يحمله من حركة يومية وتنوع بشري وثقافي، يتحول بدوره إلى فضاء فني مفتوح، فتصبح اللوحة أمام أعين المارة، ويصبح الجمهور جزءا من المشهد التشكيلي، لا زائرا ينتظر الدخول إلى قاعة عرض، وإنما متلقيا يلتقي العمل الفني في فضائه اليومي وبشكل مباشر وعفوي.
إن هذا الانتقال من الرواق إلى الشارع ليس مجرد تغيير في مكان العرض، بقدرما يعكس تحولا في تصور الفنان لعلاقته بالجمهور، فالعمل التشكيلي لم يعد ينتظر المتلقي داخل فضاء مخصص له، وإنما أصبح هو الذي يذهب إليه، ويقترب منه، ويفتح معه حوارا بلا حواجز، وفي هذه المواجهة المباشرة تتعدد القراءات والانطباعات، ويصبح الشارع نفسه جزءا من التجربة الفنية.
كما أن هذا الانفتاح يمنح الفنان فرصة لاختبار أعماله خارج الدائرة المعتادة للمتخصصين والمهتمين بالفن، أمام جمهور أكثر تنوعا واختلافا في الذائقة والخلفيات. وهنا تتحول اللوحة من موضوع للتأمل داخل قاعة إلى موضوع للحوار في فضاء الحياة اليومية.

الذاكرة الصويرية.. جذور تمنح الفن هويته

وفي قلب هذا التحول تظل الذاكرة الصويرية حاضرة بقوة، فالفن الذي نشأ من رحم المكان لم يتخل عن ذاكرته، وإنما أعاد ترتيبها داخل رؤى جديدة. وتبدو تجربة الفنان الراحل بوجمعة لخضر واحدة من العلامات الدالة على هذا الارتباط العميق بين الفن والمجتمع، فقد استمد جانبا مهما من أعماله من الطقوس والعادات والتقاليد الشعبية التي رسخت حضورها في الوجدان الصويري، وحول عناصر من الحياة اليومية وأدواتها إلى مفردات تشكيلية نابضة بالدلالة.
كان المكان، بهذا المعنى، أكثر من مجرد جغرافيا، كان مصدرا للرموز والأشكال والإيقاعات. لكن التجربة التشكيلية الجديدة لم تعد تكتفي بتسجيل هذا المكان أو إعادة إنتاجه، بل أخذت تبحث عن الأسئلة التي تختبئ خلفه.
حين لا تعود اللوحة تكتفي بتصوير المكان
ومن هنا اتسعت دائرة الموضوع، فالقضايا التي يشتغل عليها الفنان الصويري لم تعد محصورة في تفاصيل الحياة المحلية، فقد صارت تتقاطع مع أسئلة أوسع تتصل بالإنسان والمجتمع والهوية والذاكرة والتحولات الراهنة. لقد أصبح العالم الخارجي حاضرا داخل اللوحة، لا باعتباره بديلا عن المكان، وإنما باعتباره امتدادا له.
إن التحول الأبرز الذي تعرفه التشكيلية بالصويرة يكمن، ربما، في انتقال الفنان من سؤال «ماذا أرى؟» إلى سؤال أكثر تعقيدا: «كيف أعيد تشكيل ما أراه؟». وبين السؤالين تتسع المسافة التي تفصل النقل عن الإبداع، والانطباع عن الرؤية، والمشهد عن العمل الفني.

اللون والآخر.. تشكل لغة فنية تتجاوز الحدود

حتى اللون نفسه دخل في هذه المغامرة لم يعد مجرد اختيار جمالي أو انعكاس بصري لما يحيط بالفنان، لقد تحول إلى لغة مستقلة تحمل إشاراتها وانفعالاتها ودلالاتها. لذلك صار البحث في اللون جزءا من البحث في المعنى، وأصبح اختلافه وتعدده مؤشرا على اتساع الرؤية وتحررها من القوالب الجاهزة.
فالذات المبدعة لم تعد منعزلة داخل حدودها، وإنما أصبحت تدخل في حوار دائم مع الآخر. والآخر هنا ليس شخصا بعينه، هو كل ما يأتي من خارج التجربة: ثقافة جديدة، تقنية مختلفة، مدرسة فنية، فكرة عابرة للحدود أو تجربة إنسانية مغايرة. وعندما يلتقي هذا الخارج بالذاكرة المحلية، ينشأ فضاء ثالث لا هو محلي خالص ولا هو وافد بالكامل، إنه فضاء الإبداع.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التحولات التي عرفها الخطاب التشكيلي بالصويرة باعتبارها نتيجة لتفاعل مستمر بين عوامل داخلية وأخرى خارجية، فالتجارب الجديدة التي دخلت المشهد الفني حملت معها تقنيات حديثة وأسئلة مغايرة ورؤى اكتسبتها من المعاهد والمدارس والتجارب الفنية المتنوعة، الأمر الذي ساهم في إعادة تحريك المشهد وإخراجه من حالة الاستقرار إلى دينامية أكثر انفتاحاً.

الشارع رواقا مفتوحا.. واللوحة جسرا بين الفنان والجمهور

وفي المقابل، ساهم اتساع البنية الثقافية والفنية بالمدينة، وظهور أروقة وفضاءات جديدة، إلى جانب استثمار الشارع كفضاء للعرض والتواصل، في توفير شروط أكثر رحابة لانتشار الفن التشكيلي وتقريبه من مختلف فئات المجتمع.
إن الصويرة، بما تختزنه من ذاكرة بصرية وموسيقى وألوان وتعدد ثقافي، تبدو اليوم أمام مرحلة جديدة من مسارها التشكيلي. مرحلة لا تقطع مع الماضي، لكنها لا تسمح له بأن يتحول إلى قيد، فالموروث يتحول إلى مادة للاكتشاف، والمكان إلى نقطة انطلاق، واللون إلى سؤال، والشارع إلى رواق مفتوح، واللوحة إلى مساحة للحوار بين الفنان والجمهور.
وهكذا لم يعد التشكيل بالصويرة يبحث فقط عن إثبات وجوده، فقد أصبح معنيا بصناعة وجوده الفني الخاص، وببناء خطاب يستطيع أن ينتمي إلى المدينة دون أن ينغلق عليها، وأن ينفتح على العالم دون أن يفقد ملامحه.
إنها رحلة الفن من ذاكرة المكان إلى فضاء العالم، رحلة يظل فيها الفنان الصويري وفيا لجذوره، لكنه يمد جسورا جديدة نحو آفاق لا تنتهي، ويترك للوحة أن تغادر جدران القاعات لتلتقي بالناس في الشارع، حيث تبدأ أحيانا الحكاية الحقيقية للعمل الفني: حين يصبح مرئيا، ومتداولا، ومفتوحا على تأويلات الجمهور.

مستجدات
error: جريدة أرت بريس