في عالم الإعلام والأدب المغربي، يبرز اسم نجيب عبد الحق كأحد الوجوه البارزة التي جمعت بين الصحافة، النقد الفني، والتأليف الروائي. من تقديم البرامج التلفزيونية إلى تأسيس دار نشر، ومن الكتابة الصحفية إلى الإبداع الروائي، استطاع عبد الحق أن يترك بصمته الخاصة في المشهد الثقافي المغربي والعربي.
بدأ مشواره الإعلامي بتقديم برنامج “صدى الإبداع” على القناة الأولى منذ عام 2014، ليواصل رحلته في الكتابة بنشر أولى رواياته “أراضي الله” عام 2015، ثم “ربيع الأوراق المتساقطة” التي حصد بها جائزة الروتاري عام 2016. لم تتوقف مسيرته عند حدود الكتابة، بل امتدت إلى تأسيس دار نشر Orion، وحصوله على ألقاب ثقافية مرموقة، أبرزها رجل الثقافة في الوطن العربي لعام 2020.
إلى جانب شغفه بالصحافة والإبداع، يعمل عبد الحق حاليًا على مشاريع سينمائية متعددة، من بينها فيلمان قيد التحضير، الأول عن غزة، والثاني من نوع التشويق النفسي بعنوان “الحشيش”. كما أنتج فيلمًا وثائقيًا عن الصحراء المغربية، ويقوم حاليًا بإعداد فيلمين وثائقيين آخرين عن الأقاليم الجنوبية. ومع كل هذه المشاريع، لا يزال يرى في الصحافة مغامرة إنسانية كبيرة يواصل خوضها بشغف.
في هذا اللقاء من “ضيوف مع خلدون”، نقترب أكثر من مسيرة نجيب عبد الحق، ونتعرف على رؤيته حول الإعلام، الأدب، والتحديات الثقافية في المغرب والعالم العربي.
حوار : بوشعيب خلدون مع الإعلامي والكاتب والناقد والروائي نجيب عبد الحق
1. مسيرتك تجمع بين الصحافة والأدب والنقد الفني. كيف أسهم هذا التنوع في تشكيل رؤيتك للإعلام والثقافة في المغرب؟
2. تقدم منذ سنوات برنامج “صدى الإبداع“، كيف ترى دور الإعلام الثقافي في تعزيز المشهد الأدبي والفني المغربي؟ وهل تعتقد أنه يحظى بالمكانة التي يستحقها؟
بالفعل، أقدم برنامج الأولى الثقافي “صدى الإبداع” منذ اثني عشر عامًا. وهذا يتيح لي أولاً أن أكون مطلعاً جيداً على كل ما يتعلق بالثقافة والفنون والسياسة والمجتمع والرياضة وجميع المجالات الإبداعية الأخرى في المغرب. إلا أنني لاحظت أيضاً أن هذا ليس قبل عشر سنوات، ولكن منذ أن بدأت مزاولة عملي كصحفي، أصبحت الثقافة هي العجلة الأخيرة للعربة. لا وسائل الإعلام ولا الناس مهتمون بقوة الفنون والثقافة وما يمكن أن تقدمه للمجتمع المغربي. وبدون الثقافة يموت الناس. ما يبقى عندما يختفي كل شيء هو الثقافة، لكن مكانة الثقافة والمثقفين، مهما كانت آفاقهم، هامشية في المغرب. عدد قليل جدًا من الصحف والصحفيين يهتمون بالثقافة. وسائل الإعلام لا تلعب الدور الذي ينبغي أن تلعبه في المجتمع. إن هذا النقص في المعالجة والتحليل الجاد للإنتاج الأدبي والفني والفكري يضر بالمغرب كثيرا. ويجب على الصحافة وكل القنوات الإعلامية أن تتحمل مسؤولياتها وتدعم الثقافة في المغرب باعتبارها إحدى قواعد المجتمع، باعتبارها سردا راسخا قادرا على بناء مغرب الغد.
3. مع اقتراب شهر رمضان، كيف تقضي هذه الفترة سواء على المستوى الشخصي أو المهني؟ وهل تعتقد أن المحتوى الإعلامي الرمضاني في المغرب يعكس التغيرات المجتمعية والثقافية بشكل كافٍ؟
الأشكال خلال شهر رمضان. أستيقظ مبكرًا جدًا، أعمل، أكتب، أصحح كتبي ومخطوطاتي، أرسل مقالاتي إلى الصحف، أرد على رسائل الأشخاص الذين أعمل معهم. أنا لا أخرج. أنا لا أذهب إلى القهوة أبدًا. أنا لا أذهب أبدًا إلى مجموعات من الناس. أنا رجل يحب عزلته ويحميها. أنا في شركة جيدة جدًا مع نفسي. أمارس مسيرتي اليومية وحدي. أستمع إلى الكثير من الموسيقى وأتأمل، وأفكر، وأطلق مشاريع، وأحلم…
أما الآن، وفيما يتعلق بالمحتوى الذي يقدمه الإعلام في المغرب خلال شهر رمضان، فهو بالنسبة لي فولكلور وحشو من خلال إعادة تدوير نفس التفاهات كل عام. ولا توجد أي قيمة مضافة على هذا المستوى خلال شهر رمضان على الإطلاق. على العكس من ذلك، على المستوى الإعلامي والمسموع والمرئي، شهر رمضان مرادف للوسطية. ما نقدمه للناس لا يستحق أن نقرأه أو نستمع إليه أو نشاهده. هناك استثناءات نادرة. مما يؤكد القاعدة.
4. بصفتك ناقدًا ومتابعًا للحركة الثقافية، كيف يمكن للمشهد الإبداعي المغربي أن يستفيد من الزخم التنموي الذي يشهده المغرب؟
أولا وقبل كل شيء، يجب أن يكون التطوير الثقافي والفني مشروعا سياسيا حقيقيا. خلاف ذلك، يتم سكب الماء في الصحراء. وبدون مشروع اجتماعي، مع الثقافة كقاعدة أساسية، لن يتمكن الوضع من التغيير أبدًا. ما كتبته عام 1994 عن الوضع الثقافي، أستطيع أن أكتبه اليوم في 2025، مع بعض الاختلافات الطفيفة. وهذا يعني أننا نتعامل مع ما هو غير قابل للشفاء. المغرب يحرز تقدما اقتصاديا كبيرا، لكن السياسة لا تزال متخلفة. تماما مثل المجتمع الذي يشهد تغيرات عميقة، ولكن الثقافة والسياسة لا تواكبهما. إن هذه السرعات المتناقضة هي التي تعيق التنمية الحقيقية للمغرب. وبدون سياسة عالمية وشاملة ومتعددة الأبعاد، فسوف نخطو دائما خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الوراء.
5. المغرب يستعد لاستضافة كأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، كيف ترى هذه الفرصة؟ وهل الإعلام المغربي جاهز لمواكبة هذه الأحداث الكبرى؟
بصراحة، الصحافة ووسائل الإعلام المغربية ليست مستعدة لمواجهة مثل هذه التحديات القارية والعالمية. ومن أجل الارتقاء إلى مستوى هذين الحدثين الرئيسيين، اللذين يعتبران حاسمين لمستقبل المغرب، يجب علينا تجنب الهواة الشائع في بلدنا، خاصة مع وسائل الإعلام حيث يعلن أي شخص نفسه صحفيًا ومحللاً. الصحافة مهنة خطيرة للغاية. إن الإعلام يحتاج إلى أشخاص أكفاء ومدربين تدريباً جيداً ومثقفين وذوي خبرة واسعة. وهو أمر بعيد كل البعد عن أن يكون كذلك، اليوم، في مشهد إعلامي هجين، مع غزو الوسطي الذي يوجه ضربة قاتلة للوظيفة ولا يخدم بأي حال من الأحوال مصالح المغرب، خاصة في وقت نحن مضطرون إلى أن نكون شبه مثاليين في نظر العالم. نحن ملزمون بإصلاح الصحافة والإعلام، في كل الاتجاهات لتطهير وتصفية والحفاظ على الجيد مع تجنب إعادة تدوير السيئ.
6. هل تعتقد أن الدولة قد أعدت العدة بالشكل الكافي لإنجاح هذه التظاهرات الرياضية عالميًا؟ وما هي برأيك الخطوات الضرورية لضمان تغطية إعلامية تعكس صورة المغرب الحقيقية؟
إن الإرادة السياسية موجودة للنجاح في هذا الرهان وإظهار الوجه الأفضل للمغرب. والآن علينا أن ننتظر ونرى ونحكم على الفور. لكن يمكنني القول إنه، كما هو الحال مع كل ما يقوم به جلالة الملك محمد السادس، عندما يكون العاهل هو الذي يراقب الوضع، فإن الأمور تتم على النحو الأمثل. كل الإنجازات العظيمة خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية كانت مبادرات وقرارات وأفكار لملك المغرب. ويمكننا الرهان على أن المطبقين سوف يرقون إلى مستوى الرؤية الملكية ويقومون بأدوارهم بجدية وفعالية لإظهار مدى قدرة المغرب على مواجهة أكبر التحديات العالمية. عندما يتعلق الأمر بالوسائط، نحتاج إلى غربلة وفصل القمح عن التبن. إنها بطولة كأس العالم، وعلينا أن نستعد لها بجدية ومسؤولية، ونترك جانباً الهواة والمحسوبية. عليك أن تضع الأشخاص المناسبين في المواقع المناسبة، وإلا فلن ينجح الأمر.
7. الإعلام المغربي، خصوصًا المرئي، يواجه عدة تحديات، ما هي مقترحاتك لتطويره وتعزيز جاذبيته في عصر الإعلام الرقمي؟
بين الحداثة والإباحية عندما يتعلق الأمر بعلاقتنا بالتحديات الجديدة التي تفرضها التكنولوجيا. نحن كالذي ذهب من ظهر حماره إلى الطائرة. نحن نخلط بين كل شيء، ونتخبط بين الرجعية وسوء الإدارة. نحن لا نفهم حتى ما يمكن أن تعنيه كلمة الحداثة. لا يكفي الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لنقول إننا حديثون! وهذا له تداعيات على المحتوى والعرض والتصميم والتحرير والإنتاج، ناهيك عن المحتوى ومعالجته. وبعبارة أخرى: المحتوى السمعي البصري هو أمر شامل. إنه مزيج من الأشياء، مجرد كمية دون أي نوعية أو قيمة. وهذا يضر كثيراً بهذا المجتمع الذي يزداد انحداراً في الغباء والعبث على كافة المستويات.
8. الذكاء الاصطناعي أصبح يشكل ثورة في مختلف المجالات، كيف ترى إمكانية دمجه في المؤسسات الإعلامية المغربية؟ وهل يشكل تهديدًا أم فرصة للإعلام التقليدي؟
بالنسبة لتعاملنا مع الذكاء الاصطناعي، علينا أن نكون حذرين للغاية، لأنه يمكن أن يدمر تماما الدور الذي يمكن أن يلعبه البشر. وهو ما يحدث بالفعل في جميع أنحاء العالم. ويجب استخدامه بحكمة. ويجب استخدامه كأداة دعم، وليس كأساس للمعرفة والتواصل، في جميع المجالات. في المغرب، ننظر إلى الذكاء الاصطناعي وكأنه دواء لكل داء. وهي بعيدة عن ذلك. مرة أخرى، أكرر، الانتقال من العصور الوسطى إلى الذكاء الاصطناعي، دون سيطرة، دون تدريب، دون إعداد، دون ضمانات، هو الذهاب مباشرة إلى الحائط.
9. مناهج تدريس الإعلام في المغرب لم تشهد تطورات جذرية منذ سنوات، هل ترى ضرورة لمراجعتها لمواكبة العصر الرقمي؟ وما المجالات التي يجب التركيز عليها لضمان تكوين إعلاميين مؤهلين للمستقبل؟
إن أساليب التدريس مثل تلك المستخدمة في قطاع الصحافة والإعلام قديمة جدًا في المغرب. وهذه حقيقة يجب مواجهتها. يجب علينا مراجعة كل شيء والتكيف مع تحديات المستقبل. ويجب علينا تدريب أولئك الذين يجب عليهم تدريب الصحفيين والمرشحين المستقبليين للعمل في مجال الإعلام، من خلال دورات هادفة، مع معرفة جيدة بالسياسة والاقتصاد والمالية والقضايا المجتمعية والثقافية، مع معرفة عميقة بثقافة وتاريخ المغرب، مع معرفة فنية كبيرة، مع ثقافة عامة متينة لتكون قادرة على دعم التغييرات الكبرى التي تمر بها المملكة. وإلا فسنكون قد فوتنا لقاء آخر مع التاريخ.
10. أخيرًا، ما هي مشاريعك القادمة في المجالين الإعلامي والأدبي؟ وهل هناك أعمال جديدة في الأفق سواء في الكتابة أو في التلفزيون؟
العمل الجاد… أواصل عملي في التلفزيون المغربي مع SNRT لتقديم صدى الإبداع لأطول فترة ممكنة. لدي عدة كتب ستصدر عام 2025، منها أعمال فلسفية، روايات، شعر، مقالات سياسية، كتب فنية.. أقوم بتحضير فيلمين الأول عن غزة والثاني تشويق نفسي بعنوان: الحشيش. لقد أنتجت فيلما وثائقيا عن الصحراء المغربية، وأقوم بإعداد فيلمين وثائقيين آخرين عن أقاليمنا الجنوبية. وبالطبع، سأواصل شغفي بالصحافة، وهي مغامرة إنسانية كبيرة بالنسبة لي.