.

أنوار يكتب: طرد 1975… شبح الماضي يطل على أزمة الجزائر وفرنسا… هل تكرر باريس سيناريو عيد الأضحى الدامي؟

أنوار يكتب: طرد 1975… شبح الماضي يطل على أزمة الجزائر وفرنسا… هل تكرر باريس سيناريو عيد الأضحى الدامي؟
أنوار يكتب: طرد 1975… شبح الماضي يطل على أزمة الجزائر وفرنسا… هل تكرر باريس سيناريو عيد الأضحى الدامي؟

آإبريس/ تطفو على سطح العلاقات المتوترة بين الجزائر وفرنسا أسئلة ثقيلة، تُذكّر بجراح الماضي وآلامه، فبينما تشهد العلاقات الثنائية واحدة من أسوأ أزماتها الدبلوماسية في العقود الأخيرة، تتسع دائرة التساؤلات حول مدى عمق القطيعة وماهية أدوات الضغط المحتملة، وبين هذه الأسئلة، يبرز استفهام مقلق ومشحون برمزية تاريخية مؤلمة، هل يمكن أن تلجأ فرنسا، ردا على الأزمة، إلى قرارات طرد جماعي للمواطنين الجزائريين أو حاملي الجنسية المزدوجة، على غرار ما فعلته الجزائر مع المغاربة في صبيحة عيد الأضحى عام 1975؟ هذا السيناريو الكابوسي، وإن بدا متطرفا، يستدعي التمعن في سياقات الأزمة الحالية وحدود التصعيد الممكن، فالأزمة الحالية ليست وليدة لحظة، فهي نتاج تراكمات عميقة، تمتد لتصل الى خلافات الذاكرة كون أن الجدل المستمر حول الاستعمار، ملفات الأرشيف، والاعتراف، مع تصريحات متبادلة تلمس أعصابا ما تزال حساسة، مسألة أساسية تنبثق عن الخلافات الجيوسياسية وهي مواقف فرنسا المتباينة حيال قضايا إقليمية كالصحراء المغربية الى جانب قضايا دولية اخرى، مع اتهامات جزائرية بتدخل فرنسي، ولضبط الايقاع الديبلوماسي وفرض اخترام السيادة الفرنسية، فإن الدولة الفرنسية انطلقت في نهج سياسة تشديد منح التأشيرات للجزائريين ما أفرز عنه تصاعد الخطاب الوطني والحساسية الشعبية في كلا البلدين، مما يحد من هامش المناورة الدبلوماسية بين الدولتين… وبالعودة للحديث عن سيناريو 1975 بتوصيف الجرح الذي لم يندمل، على اعتبار أن قرار الجزائر المفاجئ آنذاك بطرد عشرات الآلاف من الأسر والعائلات المغربية في 18 ديسمبر 1975 (الموافق لعيد الأضحى) ظل حدثا صادما في الذاكرة الجماعية للمنطقة المغاربية، لقد استخدم كأداة عقاب سياسي قاسية ردا على المسيرة الخضراء، تاركا بذلك آثارا إنسانية ونفسية عميقة، فهل يا ترى يمكن أن تتبنى فرنسا هذا السيناريو ضد الجزائر؟ إن طرحي لهذا السؤال الآن ليس توقعا بقدر ما هو قياس لعمق المخاوف من انزلاق العلاقة إلى هاوية غير مسبوقة وهو ما بدأنا نشهده في الآونة الأخيرة من خلال تبادل القرارات وسياسة الكيل بمكيالين…
جدير بالذكر أنه وبالرغم مما تلتزم به الجمهورية الفرنسية من اتفاقيات ومواثيق دولية، فإنها تملك الصلاحية والقدرة الكاملة على اتخاذ أي قرار تراه مناسبا لحماية سيادة جمهوريتها من أي تطاول خارجي مهما كان مصدره بما في ذلك من تطاول الجزائر على ثوابت الدولة السيادية وبعض أفرادها، مستندة (فرنسا) إلى قوتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية التي تخولها التصرف بشكل منفرد دون الحاجة إلى العودة إلى الهيئات الأوروبية أو الحقوقية، حتى لو كان القرار على حساب سقف الالتزامات الموقعة، إذ انطلقت فرنسا مؤخرا بتوظيف أدوات ضغط فعالة مثل تشديد سياسات التأشيرات والهجرة مرورا بفرض قيود اقتصادية وشن حملات دبلوماسية موجهة وهو ما يمنحها مرونة وقدرة عالية على فرض إرادتها وحماية مصالحها العليا في أي ظرف، حتى وإن بلغ حدّ الوصول الى ما طرحه سؤال هذا المقال، فقد يظل سيناريو الطرد الجماعي على الطريقة الدراماتيكية لـ1975 مستبعدا نسبيا في الظرفية الراهنة، نظرا لبعض القيود والتحفظات التي ستحول دون التفكير فيه، فمجرد طرحه يعكس مدى خطورة وحساسية المرحلة التي تمر بها العلاقات الفرنسية-الجزائرية، إنه جرس إنذار صارخ.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في احتمال تكرار الماضي بحذافيره، بل في استمرار الانزلاق نحو تصعيد متبادل باستخدام أدوات أخرى اقتصادية، دبلوماسية، تتعلق بالهجرة المستهدفة قد تُخلّف هي الأخرى جروحا عميقة وتعمق الهوة، ما تحتاجه العلاقات الثنائية هو الابتعاد عن استحضار أشباح وجماجم الماضي القاتمة، تحتاج جرأة في مواجهة الحاضر بصراحة، وحكمة في بناء مستقبل يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وتجاوز إرث الاستعمار بشكل حقيقي، السؤال الأهم الآن ليس هل ستطرد فرنسا؟ بل هل تملك القيادات في البلدين الإرادة لتفادي السقوط الجماعي في هاوية يصعب الخروج منها؟ مصير مئات الآلاف من البشر ومستقبل الاستقرار الإقليمي قد يكون رهينا بالإجابة….

أنوار قورية – دكتور في الاعلام والسياسات الدولية

مستجدات
error: جريدة أرت بريس