.

بورتري : بديعة لفضايلي .. كَاتِبَة يُومِضُ فِي رَاحَتَيْها حُلْمُ الحِبرِ

بورتري : بديعة لفضايلي .. كَاتِبَة يُومِضُ فِي رَاحَتَيْها حُلْمُ الحِبرِ

هِيَ كَاتِبَة عَلَى هيئة كِتَاب، سواء في شهوات عتباتها المغوية، أو عَلَى مستوى إغواء فصولها؛ أو عَلَى صعيد فتون حرفها. مِنَ هنا، حِينَ أتصفحها تحُفّ بي مِنَ كُلّ صَوْب، وتلج بي عوالم مِنَ صنع كفاءة يدها المبدعة؛ المعطاء.

حسن بيريش

(1)
“في رياض الكُتُب
“تخضر دواخلي”.
هذه امرأة بلاَ نظير إلاَّ نضارتها المنظورة، الَّتي مِنْها، فيها، وعَنْها، أنت – أبدا – لاَ تنفك، لاَ تحيد؛ ولاَ تنأى. تقاربها فتدرك تفردها كَيْ تعرف تعددك. تضعها خلف كِتَابتها؛ فتكتشف أنها قفزت إِلَى أمام العبارة. تود لو قبضت عليها بَيْنَ دفتين، فتمنحك أكثر مِنَ توكيد بأنَها كِتَاب مفتوح، مُجَنَّح؛ غير قابل للطَّيّ !
“في مملكة الكُتُب
ثمة موطني”.
هِيَ كَاتِبَة عَلَى هيئة كِتَاب، سواء في شهوات عتباتها المغوية، أو عَلَى مستوى إغواء فصولها؛ أو عَلَى صعيد فتون حرفها. مِنَ هنا، حِينَ أتصفحها تحُفّ بي مِنَ كُلّ صَوْب، وتلج بي عوالم مِنَ صنع كفاءة يدها المبدعة؛ المعطاء.
“للسعادة روافد كثيرة؛
وأبهاها صدور كِتَاب”.
فهل أَكُون سائرا فَوقَ الضَّبَابِ، حِينَ أَكُون مرتفعا بكِتَابتها؛ وعَلَى قيد العلو بجناحي هيئتها / كِتَابها ؟!
“للقلم صولات الكِتَابة؛
وللمبدع غزوات النجابة”.

(2)
“قبل حَوْل مضى
إِلَى جدع النسيان
فاجأني المخاض
وحِينَ آويت
لم تكن أثينا قد شاخت بعد”.
إنِّي أَكَادُ أتعثر بِخَطْوِ ظِلِها، وأنا أمشي صوب أُفِق قامتها، ودُونَمَا انتظار مِنِّي، وجدتُ ميعادا منها، وحِينَ التقيتُ بعضا منْ وهجها؛ أدركتُ شيئا منْ انْطِفَائي. كَانَ يُومِضُ في رَاحَتَيْها حُلْم الحِبر؛ لَمَّا اقترب المَشْي إِلَى مُشْتَهَاهُ. وكَانَ الضَّوء يسري في ذُيُول رُؤْيَتها، والحَيَاة تَلْبَسُ أَهْدَابَ يَراعها، حِينَ تَجَاسَرْتُ في خَطْوِي إِليْها؛ بلا احتياط منْ تيه كادَ يَخفَى !
“بين وقع الخُطَى
ونقر الربابة؛
يصدح شادي الوجد تهصره الصبابة”.
قد ينتابني، وقد ينتابها، سؤال غامض المَعْنَى؛ واضِح المَكرِ: ترى كيفَ سَأُفْلِتُ مِنَ وَابِلها، الغَزير، والفُجائيّ، والنَّاعِمُ؛ وأنا أعزل مِنَ مِظَلَّة يَتَّقِي بها حرفي مِنَ قَيْظ حرفها ؟!
“أغار
وقلبي يذوب في يده
زنبقة أرهقها الاحتضار
أغار”.

(3)
“عمت صباحا قالها ومر على عجل.
وفي سويداء فؤادي بغتة دب الوجل
أيعرفني؟ من يكون هذا المتلفع بالخجل؟
قلتها وانثنيت الهوينى كَيْ ألحظه على مهل”.
تحسها / تحسك، وأنت على مرمى شعورين من عطورها المولَّهة، كأنَك مِنَ ترشها، كأنَها منْ تعبق بها، بينما النَصّ يراقبكما مِنَ بعيد، يربض في مَهَبّ لطائف المَعنًى، يرضى عَنْ رهافة التلقي؛ ويسكب عليكما قطرات معتقة مِنَ قارورة الشِّعْر !
أما أنا، فقد شَمَمْتُ عِطْر الحُلْمِ، كَيْ لا يَنْدَثِر حُلْمِي في بقايا العِطْر، وما هِيَ لحظات مشبعة بِوارف النَّجَاة؛ حَتَّى”تناثرت حولي أزاهير الهوى وكانت أحاديث المقل” !
“مرجل الشعر ممشوق يود الافصاح بلا كلل على غرة مني باغتني غيث جلي قد هطل
وكوردة جذلى قلت هذا خير قد حصل وتكاثرت زخاته حَتَّى كادت قدمي أن تزل فإذا الممشوق تلقفني وقد كسا فستاني البلل
لاتجزعي -قالها- نفسي فداك من الزلل
وتناثرت حولي أزاهير الهوى وكانت أحاديث المقل”.

(4)
“مثلما يلثم الطل
وريقات الشجر”.
حِينَ تكون بصدد إبداع بحث أدبي، لا تكتفي بفراسة قلبها، الذي يحلل ويكتب، بل تفتش عَنْ الضَّوءِ الكامن في حَيَاةِ البحث، في بحث الحَيَاةِ؛ الذي يَنْفَلِتُ مِنَ باحثين كُثُر.
ودُونَمَا إثم في الظن، هذه البديعة، بديعة لفضايلي، تتجلى، أمام إعجابي، وهو غزير النبع، جياشة الميزتين، القلب واليد، وهِيَ في حضرة كتابة نصوصها الَّتي تجمع بَيْنَ روعتين: المقاربة المتفردة في تعاطيها؛ واللَّغَةُ العَاطِفِيَّةْ في تَشَكّلها.
“تلبسنا اللَّغَةُ حِينَ تقبض برفق
على تلابيب ذواتنا، وفي نسيم البوسفور
لغة الهمس تورق على فنن الاشتياق،
وأجراس الحروف تقرغ على وتر الفراق،
وهديل الورقاء يؤرق لواعج الخفاق،
فإذا هي لوحة الارتجال والالتحاق،
ترنو في خفر يضمخها عطر التوق إلى العناق”.
ولن تجدَها في وضعية تَيَهانٍ، أبحاثها، ذواتُ الرشد المضيء؛ الَّتي تَنْحُوَ نَحْوَ المقاربة الأَمَّارَة بالإعجاب. وإِذَا كَانَ لابد مِن تَحَيُّرٍ، عبره تَتزَيَّا النصوص بأَنْوَارِ العرفان؛ فهُوَ سؤال الِتَقَصِّي.

(5)
“تحت جسر الذكريات
كنت أغفو يحرسني اليمام”.
عَنْ مُشْتَهَاهُ لا يحيد توغلها اللغوي الآسر في قارئها، كأنَها تقتفي التأثير فينا، وهِيَ تقول للغتها: مِنْكِ، فيكِ، عَنْكِ، وعَلَيْكِ؛ إِلَى آخر منتهى ما في مَعانيك من حِبري !
وفي قَوافي الكَلام، حَتَّى المنثور منه، ليسَ لهَا أَيّ محيد عَنْ أُفِقٍ عبره تَمُسُّ وعي الحَيَاة فيك، هِيَ الَّتي تغربل اللَّغَة كَيْ تأتيك في هيئة رُؤيَا الخُطَى؛ وعَلَى شكل التباس الرُؤْيَة. وليسَ لأن ما فيها منك، هو ما فيك منها، بل لأنَ ما يَنْفَلِتُ منكما لا يتسرب مِنَ نَصّ هِيَ مُناهُ؛ وهو مَعنًاها.
“خميلة الورد شدت مشبكي
وعدوت صوب الغدير إياك أشتكي
كشحرور جذلان الخطى أمسكت ربابتي
وشدوت في تيه أنت مناي وغايتي”.
وإِذًا، يتَحَيَّن البورتري فُرْصَةَ الفَيْض، لكَيْ يمرِّر إِلَى مُتُونها سؤال هَامِشها؛ قَائِلاً: لِمَاذَا تتركين بصائر اللَّغَة مستيقظة الجولان، هناك وهنا؛ فِي مُنْتَصَفِ نهَارِ اللَّيْل الشِّعْري ؟!

(6)
اللَّغَةُ لا تكتمل أرخبيلات إغوائها، لدى مبدعة من طراز بديعة؛ إلاَّ
حِينَ تعجنها بالحُبّ إِلَى آخر المُنتهى. إِنَها تَتجَاسَرْ في جعل اللَّغَة تمارس المَشْي فَوقَ الغيوم، كَيْ تتعلم الرقص مع السَّحَابِ؛ وتغتر بقوامها الدلالي الرشيق والمتعالي فوق السائد.
الآنَ، إنِّي أصغي إِلَى خَطْوِها اللَّغَوي فوق الورقة، وهِيَ تكتب عَنْ المبدع والناقد حسن لشكر، في دراسة نقدية تجمع شتيت الذكاء واللذة والغور والشسوع؛ في آن معا:
“مِنَ دفق يراعه تنسكب غدران المعاني،
ومن سندس قوله تخضر رياض الكلام.
وطأ خلجان الرواية فأغوته أفانينها وأسرت وثاق
وعيه والإنتباه. وبين وهج سردها والحكي،
وبين فتنة تركيبها والدلالة، رقشت سبائك حروفه
تيجان المعاني وتحت إزميل نقده أسفارا منها دنت
وأغوارها سيرت ونواميسها استقرأت، لتوطن
للكتابة السردية قواعدها وتوثق للفعل الإبداعي
الأسس والسمات، ومن الحروف الساكنة الشجية
نسج لهذا المحكي التخييلي بردة جللته وجملته…”.
إنه مَاءُ اللَّغَة حِينَ يؤول النَّبعُ به / فيه إلى شَبَقٍ عبره تنتفض كُلّ أَهَازِيج الغِيَابِ / الحضور داخل بنية الكَلَامِ، حَيْثُ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّكَ؛ أَيُّها العُبُورِ الماكر بَيْنَ شِعَاب البلاغة !
ها أنا أقرأ ما كتبته يد رهافتها عن سيدة القصيدة المغربية مليكة العاصمي؛ ذات انهمار أرخبيلي:
“مثل ماء الغدران أو شلال لجين،
ينساب قريضها الهوينى رقراقا في إيهاب بهي،
متناثر الذرات لألاء أريجه شذي، يرق فيسمع
لوقعه همس وهسيس شجي،
ويزمجر فيغدو له صخب هادر ودوي…”.

(7)
“وظللت أرقب ظِلُك الهوينى ينثني
عبر منعطفات الطريق حيث تركتني
وبين راحة يدي قارورة عِطْر أهديتني”.
ما أبهاها، بديعة المبدعة، لَمَّا تذكي لهيب شجون الكتابة، ثم حِينَ تشطّ بها الظنون حِينا من أحْيان اليراع، فتلاحق نَورَسَاتِ البياض حَيْثُ مُشْتَهَى الحرف؛ ومكمن حرف المُشْتَهَى.
وتَعْتَادُ عَيْنَايَ هذه الكتابة، فأسرع الخُطَى نَحْوَ تراتيل قلبها؛ لكَيْ يُومِض في جهري ما أشرق في سرها. وفي كُلّ ذهاب إِلَى حبرها الرهيف، أغادر وبِي إعجاب يردد: كَمْ حَفِيٌّ بنا نَصّها، كَمْ مُبالِغٌ فِي الإكْرَامِ، والبِرِّ؛ واللُّطْفِ !!
“البسني مثل الربيع
كَيْ أخضَّر فيك ولا أشيخ
وأنثر عليك خمائلي فأنا أنثى بلا تاريخ
واغز مفاوز قلبي فإِنَ الحراس نيام
واعبث بفسيفسائي سرا فأنت الهيام”.

(8)
“بيلسانة الربيع
بَيْنَ صهيل الخيل وعتمة اللَّيْل”.
لقد أَتَى عَلَيهَا حِينٌ مِنَ الحِبرِ ولَمْ يَكُنْ نتاجها فِي المَعْنَى إلَّا شَيْئًا كثيرا مِنَ البهاء مَذْكُورًا، فَسُبْحَانَ اللهِ فِي سَيَلان مداد، وما أروع تَدَفُّق مِخيال؛ وسَيَّال قَلَم.
إنَّهُ كَانَ بِهَا حَفِيّاً، هذا الاخضرار فِي بَسَاتِين الكَلَامِ، وذاك النُّصُوع فِي يَاسَمِيْن المَعْنَى، وكُلُّ حُقُولِ يدها الكاتبة تخضَّر مِنَ دلالة إِلَى انصهار؛ ومِنَ نَصّ إِلَى رحاب.
“أيا عاذلي لا تزجر اثنين أقسما
أن شغاف قلبيهما قد اقتسما”.
وإِذَا مَا أُرِيدَ لَهَا، بإذن مِنَ قلم جيشانها، أَنْ تَنْحُوَ نَحْوَ خَيْرِ الكَلَامِ، وَأَنْ تَترَقَّبَ حَلَالِ أَهَازِيج الدَّال، ورقص المَدْلُول، لا يصيبها تَحَيُّرٍ؛ وإنما تَتحَيَّنَ الفُرْصَةَ الْمُلاَئِمَةَ لكَيْ يُبصِر رسوخ قامتها ظِلَّ الكلمة هناك فِي وَعْثَاء الجملة.

(9)
“بيني وبينك، سيدي،
ينمو النِّسْيَانُ”.
طالت الذَّاكِرَةُ، أم قصُر النِّسْيَانُ، هِيَ، بديعة النَصّ؛ لا تَتوَلَّى عَنْهُما حَتَّى حِينَ يُبصِر القلب نَصّه في غيابهما. مِنَ هنا، إعجابي، الذي لا أخفيه، بذاكِرة بصريّة يمتلكها ذهنها المبدع، تتبدى يانعة مشاتلها؛ لَمَّا تأذن لروحها – لا قَلَمها – بالهُطُول لحظة الكتابة.
وإنْ لَمْ تخُنِّي الذَّاكرةُ، فإِنَ بديعة لفضايلي يُبصِر نَصّها في مسافة نادرة، وماكرة، إنِّي أظنها تربض بَيْنَ استعادة ذاكِرة ضاجة بما لَمْ يكنْ بَعْدُ؛ والتَحَرُّش بنِسْيان لا فُرْصَةَ له كَيْ ينسَى !
“تدثروا بالمحبة،
وتجملوا بالود؛ تزهروا !”.

(10)
بَيْنَك وَبَيْن نَصّك تَتبَدَّى رِهَانات مُتَشَعِّبة؛ ليأذن لي ثراء قلبك أنَ أختزلها فِي إضاءة: لِمَاذَا.
ليسَ لأنَها كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ (لاَمِ) التَّعْلِيلِ وَ(مَا) الاِسْتِفْهَامِيَّةِ وَ(ذَا) الْإِشَارِيَّةِ، بَلْ لأنَكما، أنت وهو، اسْتِفْهَام عُمْر يكْتَنِز بتعْلِيل كِتَابات؛ والْإِشَارِة لا تبتغي سِوَى مباركتكما !
فهَلْ بَيَانُ نتاجك، ومقاربة البورتري؛ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ؟!
“يسلمني السين
إِلَى صلف الشين ذي
لأصطلي نأي الصاد وجفوة الضاد”.

مستجدات
error: جريدة أرت بريس