.

واحة الشعر : كطفلٍ هنالك يشبهني قصيدة للشاعر علال الحجام

واحة الشعر : كطفلٍ هنالك يشبهني قصيدة للشاعر علال الحجام

علال الحجام

[1]

قد تكونُ الهويّةُ أكذوبةً

والسّماءُ تلوّنُها تارةً بالسّخامِ

وتفضحُ بالشّمسِ سرّاً يراوحُ كهفَهُ أخرى.

قد أكون وُلدْتُ بعيداً

كما ابتسمَ الحظُّ لي حينما كان يطرَبُ

عاميْنِ قبل وصولِ الجرادِ المباغِتِ

برّاً وبحْراً

إلى كَفْرِ طفلٍ نحيفٍ هنالكَ

يُشبهني رغم بُعْدِ المسافة ما بيننا.

هل هو الدّمُ يُخلصُ دوماً لحكمةِ أسطورةٍ

                         تتلألأُ في الرُّقُمِ

ويصرّفُ أحْرُفَها في خليقتِهِ؟

كانَ يلعبُ مثلي،

ومثلي يُحبُّ حكاياتِ جدّتِهِ

     في أماسي الشّتاءِ،

ومثليَ ترْفو أغاريدُهُ

في البراري المديدةِ أعشاشَ حُلْمٍ

تُشاكسُهُ رفْرفاتُ الفَرَاشاتِ.

مثلي تربّي تخاييلُهُ دودةَ القزّ في سطحِ بيتِهِ

في غفلةٍ من عيونٍ تراقبُهُ،

يجافيهِ نومُهُ لما تعافُ وريقةَ توتٍ

ويحزنُ يومينِ حين تموتُ. (1)

ولولا انحداريَ من دوحةٍ

غيرِ دوحةِ كنعانَ في عسقلانَ

لكنتُ أنا ذلكَ الطفلَ

يخرجُ من بين أنقاضِ فردوسِهِ عابسَ الوجهِ،

مُنكسرَ الصّدرِ، يحضُنُ دفترَهُ الأرجوانُ

يؤاخي طفولتَهُ،

أو شهيداً يعزّي التخاذلَ

في حمحماتٍ تفرُّ

إلى فلواتِ البلاغةِ،

ها هو في شاشةٍ سيراها القتيلُ

وقد لا يراها الرّصاصُ،

يعرّي نفاقَ الحضارةِ

تُحرقُ أجنحةَ الصّلواتِ مخابرُها،

فإذا بالبصيرة مقفلةٌ بالغِراءِ محاجرُها،

وإذا بالعقولِ كراهيةٌ

تتباهي بمحقِ شُعوبٍ تدبُّ على الأرض خانعةً،

هل تجفّف نبعَ السّلالةِ إسفنجةٌ تحتمي بالمحيطِ،

وتقطَعُ دابرَها فيؤول الطّريقُ إلى يدِ جرّافةٍ

تستطيلُ براثينُها؟

هل تقصّرُ حبلَ المسافةِ

يمتدّ في مهمهٍ لعبوديةٍ، وتوسّعُ أهوالَها؟

سلْ فؤادَكَ:                            ما البيتُ

إنْ لم يكنْ خيمةً                    لحياةٍ وموتٍ

ينامان جنباً لجنبٍ             على مفرشِ الذّعْرِ

                            يرثي لحالهما القمَرُ؟

وانتظرْ صرْخةً قد تهشّمُ كينونةَ العَدَمِ

                    تتوعّدُ أحوالَها./

[2]

وهبْ أنّني ذلك الطفلُ

إنْ رحمَتْ صدفةً في الطريقِ طفولتَهُ

جمراتُ الرّصاصةِ والمدفعيّةِ والشُّهُبِ،

ومطاردةُ الجزمةِ العسكريّةِ،

والجوعُ والنّارُ في خندقٍ واحدٍ

يشربانِ كؤوسَ دمٍ نخبَ مشنقةٍ.

ذلك الطفلُ صارَ على شِرعَةِ النّفي شيْخاً

يرى ولَداً مُقعَداً يتتبّعُ كرسيُّهُ

أثرَ الأملِ الضّالِّ خلفَ الدّخانِ،

ويبعثُ قُبلتَهُ لحفيدٍ يُنازلُ أسوارَ سجنِهِ

في رَهْبِ بيدِهِ

ليس هنالك ماءٌ يُساقي حصاها ولا شجَرُ.

فكيف الوصولُ إلى زهرةٍ في بلادٍ

يهرّبُها القادمون مع الرّيحِ للرّيحِ في عبوةٍ حبّةً حبّةً

وجسورُ الأماني صراطٌ

تضيقُ بقسوتِهِ النّبضاتُ وتعتصرُ؟ /

وإنْ كانتِ الأرضُ ملغومةً بالقنابلِ غرثى،

فكيف الوصولُ إلى أرَجِ البرتقالِ

وحقلُهُ ينبتُ أوبئةً لا تُسالمُ شَيْباً،

وفأسُ الجفافِ تَقومُ بما يتبقّى من العَمَلِ؟ (2)

يضحكُ الحظُّ: هذي الجحيمُ تُجانبني

دون غيريَ حقّاً من المتْعبينَ على مَضَضِ،

ومراجلُها بالبراكين تستعِرُ؟

إذاً كنتُ في هذه اللحظات انتهيتُ

وأمري قُضِي… /

[3]

وهبْ أنّكَ الآنَ مثلهُ شيخٌ

تجاوزَ عمرُهُ خمساً وسبعينَ

يبقرُ أيّامَها الفقدُ مستوحشاً،

كيف لا تتعلّمُ أنّ السياسَةَ ناعورةٌ

للتّفاوضِ بين هزارٍ رحيمٍ يغنّي

ورخٍّ رجيمٍ يطاردُ رقصتَهُ،

لا يُرجّحُ ميزانُهُ غيرَ كفّةِ مقصلةٍ

حدُّها النّصْبُ مبتهجاً؟

كيف لا تتعلّمُ أنّ المُحكّمَ فينا حثالةُ نغلٍ

يُمالئُ ذئباً ويشحَذُ سيفاً على عُنُقِ الحَمَلِ،

والجبالُ التي تتأمّلُ حالَ الطويّةِ من أوّلٍ

لا تُصيخُ لجرحِ الجداولِ سمعا؟ (3)

ولولا انحداريَ من دوحةٍ

           غيرِ دوحةِ كنعانَ في عسقلانَ

                   لكنتُ أنا ذلك الشيخَ

يخرجُ منْ خربةٍ في جهنّمَ تهفو لترميمها الذّاكرة،

ثم ينهضُ منكسرَ الصّدرِ

يحضنُ شاهدتين على جَدَثِ القهْرِ:

شاهدةً لنفاقٍ يُوحّدُ أفئدةَ البشريةِ

         حلكةُ ليلٍ تجلّلهُ بالدّموعِ،

وشاهدةً تتنّورُ شمسَ حفيدٍ

            يعودُ بهالتِهِ النبويّةِ تعلو

        إلى رحمٍ في التّرابِ شهيد. /

[4]

وهبْ أنّ طفلتَهُ وُلدتْ في الخلاءِ

الشّراسةُ قد دمّرتْ بيتها،

التهمَتْ كلَّ ما هيّأ الأهلُ            قبل شهورٍ لميلادِها

من لوازمَ عاجلةٍ: سبعَ عشْرَةَ صابونةً كيَدِ الأمّ ملمسُها

لا تضاهيه هبّةُ نسمٍ رؤومٍ،       وسبعاً وستين حفّاظةً،

والحليبَ وطقمَ الرّضاعةِ والمهدَ واللُّعَبَ الزّاهية.

أيرضى لطفلِهِ ظِّلٌّ يُراوغُ شمسَ الحقيقةِ

أن يلفظَ الرّحِمُ الخِصْبُ أوجاعَ آتيهِ

للوجَعِ المتجذّرِ      

في الأرضِ           الهاربين من الموتِ      

تسمعُ أشواقُها         للموتِ يقذفُهُ

وقْعَ أقدامِ                      حُمماً، ثم يفتحُ

أحبابِها                     عينيهِ كُرهاً                                  

                       على فوّهاتِ القيامةِ.

          كيف يقاومُ حقدَهُ طفلٌ كطفلِكَ إنْ شاءَ

أنْ يرسُمَ السّلمَ حُلْماً جميلاً يُقوّضُهُ طاغية؟

ولولا انحداريَ من دوحةٍ

غيرِ دوحةِ كنعانَ في عسقلانَ

لكنتُ أنا ذلك الأبَ

ينتشلُ الكبِدَ المستغيثةَ

منْ بينِ أنقاضِ فردوسِهِ

بين قصفةِ دمعٍ وغارةِ تنهيدةٍ

تلوَ قصْفةِ دمعٍ وغارةِ تنهيدةٍ جائرة،

هلْ ترمّمُهُ الذاكرة؟

يتراءى لهُ حاضرٌ يتهاوى ومستقبلٌ

                     يحتويه الغيابْ،

          ثم ينهضُ منكسرَ الصّدرِ

يحضنُ طفلتَهُ يخجَلُ الغدرُ منها،

ويَلْحَى نفاقاً    يُسربلُ كلَّ خلاسيّةٍ ماكرة

في كهوفٍ تُوحّد ألويَةَ البشريّةِ يرفعُها عَبَثٌ

     يتباهى على قبّةٍ في أعالي الخرابْ. //

[5] هوامش:

  • طفلةٌ تتخطّى جدارَ طفولتِها

وتباعدُ ما بين حبَّ التّرابِ المعانِدِ واللّعبِ،

وهْيَ تسخرُ من ناكرٍ لفحولتِها

عندما في سريرتِهِ يتذكّرُ أعوامَهُ العُمُرُ.

قطّةٌ في الدّمارِ تودّعُ معشوقَها

قبل دفنِهِ مبتسماً للوداعةِ، طوبى لها قطةً

تتلظّى مشاعرُها، وقلوبُ الوَرَى حجَرُ!

  • ما أحزنني، وأنا

أتقرّى شريطَ المناشيرِ تغزو كراكيزُهُ جذبةَ الكرنفالْ

أكتوي بشرارِ الضّغينةِ                وجْهاً لوجْهٍ

أمامَ جدارٍ يصوّبُ نحوي الرواجمَ، تخلعُ سروالها:

فرِحاً بابتساماتِ عشّاقهِ بين غمزة راقصةٍ وكوميديا الغباءْ

شاعرٌ في رواقٍ بهيٍّ يُوقّعُ ديوانَهُ بدَمِ الشّهداءْ،

يُمطرُ الأصدقاءَ الذين بكوا بأسَهُمْ صُوَراً

يتمنّى كعادتِهِ أنْ تُخلّدَ فرحتَهُ،

أَفَلا ترعوي والأسى والغٌ دمَنا، أيّها الشّاعرُ؟

صديقٌ يعاتبُ عاشقةَ اللّيلِ،

ينسى النّهارَ الذي لا يفيءُ إلى قلعةِ العشقِ تبكي

وقد داهمتْ منتهاهُ فلولُ الغُروبْ،

صحفيُّ وسيمٌ سبتْهُ عجيزةُ مُعجبةٍ،

همُّهُ أن تُسوّقَ خردَتَهُ وسْطَ بيتِ العزاءِ حداثتُهُ،

هل مقالُ الحِمى لا يناسبُ عزّ عشيرته؟

أَفَلا يخجلُ الحرفُ من سوقِهِ الكاسدة،

والكتابُ الذي يقتفي همساتِ السّحابِ

ملاحمُ في طرقاتِ الجليلْ؟

غادةٌ، كلَّ صبحٍ تجدّدُ زينتَها،

الْتمِسِ العُذرَ للفاتناتِ،

فكيفَ تظلُّ البشاعةُ قائظةً

تفسدُ العرَصاتِ الجميلةَ حلكتُها؟

أين منها جمالٌ يرقّشُهُ كَرَمٌ في السّهوبِ

يوزّعُ أزهارَهُ النّبعُ والشّجرُ؟

بطلٌ يحتمي بوشاحِ بطولتِهِ هانئاً، لتكنْ عاقلاً،

أين منكَ بطولةُ فرْخٍ يصُدُّ الثعابينَ عن عُشّهِ،

أيّها النّرجسيُّ بربّكَ، دعْ شرفاً لصغارِ الخليلْ.

هل رأى عبثٌ شَقَفاً

تحت غصنٍ كسيرٍ تعودُ إلى أصلِها

ويمرّغُ تاريخَهُ طميُها،

تتذكّرُ موقدَها وتؤاخي رماداً جمارُهُ يخنقُها

لهَبٌ قادمٌ من أساطيرهِ

بين أرضِ الكنانةِ والنّقبِ…

  • مانعاً كلماتِ العزاءْ،

حارماً في الجنازةِ            ريحانةً قُبُلاتِ الشّهيدِ

لكيْلا يُغيضَ البُغاةَ      إذا أخطأتْ طلقةٌ هدفاً،

ينتشي زوكنبرغ بمفاتيحَ تُحكمُ إغلاقَ بابِ السّماءْ

وتُعانقُ أبيضَ ملتبساً يتشرّبُ سمّهُ منْ زرقةٍ تمكرُ،

وتحزُّ ضغينتُه علماً

بشموخِ الشّهابِ يُداهمُ أحمرُهُ الأبيضَ المتهاديَ

بين دجى لا يجافي مواجعَهُ قمرٌ وخميلٍ يُزنّرُهُ نهَرُ!

أكتوبر 2023

مستجدات
error: جريدة أرت بريس