.

حسن بيريش بورتريهات مغايرة : فاطمة عابدي .. ترمي شباكها في المعنى فتقع في صنارة انزياحها !

حسن بيريش بورتريهات مغايرة : فاطمة عابدي .. ترمي شباكها في المعنى فتقع في صنارة انزياحها !
كَيْ يَتَعَلَّمَ قَلْبِيَ الحَيَاةَ:  كُلَّ يَوْم سآتِيكُم بنَصّ بورتري.
حسن بيريش
(1)
“هي امرأة
لن تتكرر”.
من أول نص قرأته لها، ذات أفق، التمعت في عيني قراءتي صورة مضببة عنها، وأخرى جلية عن قصيدها، ولم أفكر إلا في هذا الأرخبيل الشعري الممتد على مرأى منها، بل وعلى مسمع مني.
كرت سبحة التناص مع جنونها، مع هذياني، لأكتشف، لاحقا طبعا، أن فاطمة عابدي، المشاكسة، تكتب كما لو أنها تلاحق أَسْرَابَ النَّـوارِس في سماء علامات الترقيم الشعري، حيث القبض على زناد اللهاث لا يغادر كف بلاغتها !
“زد في قسوتك
فما مزقت، بعد، أوتار قلبي
ما زال قلبي يعزف الألحان
مازال النبض بداخلي
يلهو في البراري والجنان”.
(2)
“لا أحتاج يوما لأكون أنثى،
فأنا كذلك العمر كله”.
قد تعرف فاطمة عابدي، قد تلتقيها، بيد أنك لن تدركها كما ينبغي لك الشعر، حتى تدركك كما ينبغي لها القرب. حالتان فيهما يدلف الصَّبـاح الضَّبابـي لغيمها إلى يَسَـار ظِـلِّك، لكي تمشِـي مُسْرعـاً صوب غرب قامتها !
تتقمص ذاتك، هذه الشاعرة، تتقصى شبوبك، هذه المبدعة، وما هي إلا هنيهة قصيد، حتى تضج بك، لا يعنيها أمرك إلا حين تكون مبللا بانهطال مخيالها !
يكفيك أنت قليل منها، ويكفيها هي كثير منك، لتضيء في وهمك العابر، وتنغمر في مكوثها الزائل. لا تنسى، وأنت تقرأ شبوب همسها، أن تذرف بعض علانيتك.
“امرأة واحدة تكفي
هي امرأة
لن تتكرر في عمر أحد”.
(3)
“قل لي
أشمسك الليلية ستضيء موكبي
مع أني حين تشرق أنت
يكون قد ابتعد مركبي؟!”.
كُلِّ شَـيْءٍ، ها هنا، يغوي، ويبقيني فِي مهب التأويل الطاعن فِي ذاكرة النِّسْيَـان. ولا أراني إلا هناك في أرخبيلات نصية آتِيَةِ مِنْ جَنُـوب جَمْـرِ العبارة !
لَمْ أعُدْ فِي مَكَانِي المعتاد، حين قرأت نصها غير المعتاد. ثمة حُلْـم، لا أدرك له نكها، انزاح بي إلى تُخُـوم أوسع من خطوي، ونحو جزر أضيق من صَفْحَتها. كُلِّ شَيْءٍ هُنَـا، يناديني إليها، كُلِّ شَيْءٍ عنها يبعدني !
هذه شاعرة مبللة، تصطاد القصائد في شرفات البحر، وحين ترمي شباكها في ماء المعنى، ومعنى الماء، تحن اللغة ذاتها إلى الوقوع في صنارة مجازها !
“كسنبلة ثملى
أمام الريح”.
(4)
“اجمعي ما تفرق منا
سيدتي
واحضني ما حال بيننا”.
هو “صوت الروح”، هذا الذي أستعيره منها كي أرده إليها، ما من حياد بين الأنا والهو. احم قراءتك من كتابتها، ثم لاحظ كم هي لابثة فيك، وكم أنت عنها لا تحيد.
بهذا المكر الأنثوي النافذ، ترمي فاطمة تعويذتها، وتشرع في فتح جبهات بداخلك، معتمدة على لغة خادعة في بساطتها، سرابية في دوالها. ولعبة الانزياح في الخطاب سائرة، مثلما ينبغي لامرأة تسرقك منك لحظة إغواء يأسر !
“أزم فمي
أُحكم صمته
أغلقه
أعقل لجامه
أفتله
أراقب سكوته”.
(5)
“حروف سقطت في الماء
فخرجت مبللة
تزهو، وتعتقد
أنها ثملت من ماء الحياة”.
كأنَّـها للتوِّ تفتح أفقي على جَسَـد نصها، فتتراءى لي تُخُـوم مُتَزاحِمَـة، تكاد تقبض على تأويلي، لَـولا أنِّـي أسارع جهدي حتى لا أقع في أحابيل شغبها الطاعن في إعجابي. أتراني أهذي كي أفتح فيها نوافذ تطل على ما لم تكتبه ؟!
ذات حوار، سألتها: ما درجة نأيك عن نص كتبه تدانيك، يا فاطمة ؟ تهلت برهة، كما لو أنها تختبر الكلام قبل أن تطلق سراحه، أو هكذا خيل لي عبر مسافة الهاتف، وقالت بهدوء أبدا لا يمت لمشاكسة السؤال بصلة: هي حد بين مسافتين كلتاهما تبث وتستقبل في ٱن واحد !
لم أسألها: ما هذا الغموض، يا عابدي ؟! بل أجبت نفسي بلا مسافة: ذاك المبهم / الشفاف ترتديه فاطمة، كي تخفي قلة من كثرة، وتمتد في أفول النص !
“أتُراني أهذي ؟
أم أواري بداخلي
نحيب الحبيب ؟!”.
(6)
“سيجارتك تلك،
الغنيمة النائمة
توقظها في كل وقت بشغف
وبيديك الناعمتين
تحملها بافتتان
تمسكها حتى الذوبان”.
تَلْتَـف حوْلَـك، الْبَحْرُ كله لا يسع مكائد كتاباتها، يُطَارِد بعضها بعضا،حتى يسلم جرحها المفتوح من التعرض لشمس ذاكرة بثقلها تبدع، وفي أوج وجعها تحلق.
هنا، يبدو لي، دون أي تفسير، أن نصفها، فاطمة، ينهر نصفها، عابدي، لا لأنها مرهونة بقسمين كلاهما يراقب سكنات الٱخر، بل لأنها ممهورة بواقعين ثانيهما يتجسس على أولهما، ليس لهما سوى المكوث في أجنحة الكلام !
“آه !
كم أكرهها سيجارتك تلك
تأخذ كل حنانك،
كل اهتمامك،
ترافقك إلى كل مكان.
هي في جيبك،
الأقرب إلى قلبك
تسمع أنفاسك،
تحسها،
تختلط بها،
تمتزج بها،
تصبحان واحدا…”.
(7)
كُلِّ شَيْءٍ هُنَـا، في فاطمة عابدي، الهاربة من الوقت المنتهي، يغمر النص، بل يغرقه في قيعان بلا قرار. ذلك لأنها لا تكتب كي تحصل على إعجاب الشعر، وإنما تكتب كي تغضب ذاك القارىء المفترض في وهم بعده / قربه !
ألم أقل لكم:
هذه كاتبة مجنونة حد العقل، ترعى قطعان الوقت هناك في مخابىء الذوات، ولا يثنيها عن ذلك سوى استفحال العشب الضار في واقع لا يرتفع !
“أسمح لك بخيانتي
سيدي
من اليوم وإلى الأبد
خنني، اغدر بي،
صاحب هذه وتلك
سرح شعر سمية
امسح بيدك وجه حورية
اتصل على الهاتف برقية”.
من ٱخر نص قرأته لها، عرفت جيدا أنني في مهب امرأة بلا نظير في زحام العمر. أدركت بوضوح أنني في معية مبدعة لديها تماس حبري مع الدخائل، حيث تتجمع الٱهات الثكلى لكلام ليس كالكلام !
وإذن…
خذه إليك، هذا النص، يا فاطمة الوقت، كي أتخفف أنا من تأويل سار بي نحو ظاهرك، فواجهت باطنك، وما بينهما ها يدي تهرب منك لتلوذ بك !
“اعذروا صباحي
فشمسه لم تشرق بعد
وليله مازال مستمرا”.
مستجدات
error: جريدة أرت بريس